أبو الدكتورة قصص وروايات أمانى سيد

حياتنا اتغيرت تماماً؛ الشقة الجديدة كانت صغيرة بس كانت مليانة دفا وراحة بال. بنتي ابتدت تضحك تاني، وشعرها ابتدى ينبت ومعاه نبتت ضحكتها اللي كانت غايبة، وأبوها مكنش بيسيب مناسبة إلا لما يدلعها ويحسسها إنها أغلى حاجة في حياته.

لكن جوزي، بأصله وتربيته، مقطعش أمه. بقى يروح لها زيارات واجبه، يدخل يسلم عليها ويطمن على أحوالها، لكن من غير ما ياخدنا معاه ولا يسمح لحد يفتح سيرة حياتنا. وفي كل زيارة، كانت حماتي تقعد تشتكي له وتندب حظها، وتقوله بنبرة مكسورة ومغلولة في نفس الوقت:

ـ يرضيك كده يا بني؟ البيت من بعد مرتك اتهد، ومبقتش عارفة أعيش ولا ألاحق على الطلبات. مرت أخوك أم مالك شايفة نفسها فوق الكل، ومبتمدش إيدها في حاجة في البيت، وحاطة في بطنها بطيخة صيفي وعايشة دور الهانم عشان مخلفة الولد اللي شايل الاسم! أنا عايزة مرتك ترجع تاني تشيلني وتخدم الصالحة والطالحة، هي اللي كانت بتتحملني.

بص لها جوزي بكل هدوء وثبات، ومتهزش من كلامها ولا صعبت عليه، ورد عليها بكلمتين قطعوا أي أمل ليها:

ـ معلش يا أمي، كل واحد يشيل شيلته. أم مالك هي اللي قاعدة معاكي في البيت وهي اللي تخدمك، إنما مراتي مش خدامة لحد، وكرامتها وراحتها في بيتي هي خط أحمر، وإنتي اللي اختارتي من الأول.

سكتت حماتي ومبقتش عارفة تقول إيه، وحست لأول مرة إنها خسرت كل حاجة بسبب ظلمها.

ومرت الأيام، والرب العادل مبيرضاش بالقهرة. بعد كام شهر من استقرارنا في بيتنا الجديد، تعبت وروحنا كشفنا، والدكتورة بصلتنا بابتسامة وقالت لنا: “مبروك.. مدام أميرة حامل”.

الفرحة مكنتش سيعانا، وجوزي كان طاير بيا الأرض. وسبحان الله، كأن ربنا أراد يكسر عيون كل اللي ظلمونا وينصرنا نصر عزيز مقتدر؛ الشهور مرت وولدت، وربنا رزقنا بولد زي القمر.

يوم السبوع، جوزي شال ابنه ورفع راسه للسما وهو بيقول: “نورت الدنيا يا غالي”، وبص لبنتنا الكبيرة وخدها في حضنه مع أخوها وقالها: “أهو ده سندك يا روح قلب بابا، بس برضه إنتي الغالية الأولى والأخيرة اللي ماليش غيرها”. وفهمت وقتها إن ربنا عوضني عن كل ليلة بكيت فيها في البيت القديم، وإن العدل دايماً بييجي في وقته.

 

ومرت السنين، والأيام جرت زي لمح البصر، والطفلة المكسورة اللي كانت بتترعش في حضني زمان وراسها محلوقة، كبرت قدام عيني وبقت عروسة زي القمر.

ربنا أراد إنه يرفع راسنا ويعوضنا عن كل وجع شفتيه، وبنتي رفعت راسي وراس أبوها في السما؛ جابت مجموع كبير في الثانوية العامة ودخلت كلية الطب. في اليوم اللي ظهرت فيه النتيجة، الدموع اللي نزلت من عيني مكنتش دموع قهرة زي زمان، كانت دموع فرحة هزت قلبي من جوه وأنا شايفة كرم ربنا وعدله وهو بيجبر بخاطرنا قدام الكل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *