من رمضان ٣ حكايات روماني مكرم

جاء يوم الجلسة الحاسمة، يوم النطق بالحكم. كانت قاعة المحكمة مزدحمة، لكنني لم أرَ فيها سوى وجهها. وقفتْ في الجانب الآخر مع محاميها وشقيقها أحمد، بينما وقفتُ أنا وحيدًا، بعد أن رفضتُ توكيل محامٍ؛ لأنني علمت في أعماقي أن قضيتي ليست مع القانون، بل مع نفسي.

تأملتُها للمرة الأخيرة.. كانت تبدو كشجرة نفضت عن نفسها خريف الحزن واستقبلت ربيعًا جديدًا. لم يعد هناك أثر للاكتئاب، بل نضج وشموخ لامرأة عرفت قيمتها متأخرًا، لكنها عرفتها بقوة.

نادى حاجب المحكمة: “رقم 24.. دعوى الخلع المقامة من…”

تقدمنا أمام منصة القضاء. نظر القاضي في الأوراق، ثم وجه نظره إليّ وسألني: “هل أنت موافق على الصلح يا رئيس؟ الزوجة متمسكة بالخلع ومتنازلة عن كل حقوقها المادية.”

نظرتُ إلى القاضي، ثم التفتُّ إليها. رأيتُ في عينيها حسمًا لا يلين، ورأيتُ خلفها ابني “زياد” ينظر إليّ برجاء كأنه يترجاني ألا أهين كرامة أمهم أكثر من ذلك. في تلك اللحظة، انقشع الغشاوة عن عيني، وعلمتُ أن محاولة التمسك بها الآن بقوة القانون هي أنانية جديدة فوق أنانيتي.

تنحنحتُ، وقلت بصوت ارتعشت له جدران القاعة:

“يا سيادة القاضي.. أنا مش هدافع عن عنادي، ولا هبرر غلطي. أنا ظلمت مراتي وهجرتها سنة كاملة وفاكر إن الرجولة سيطرة وفلوس. والنهاردة، أنا مش واقف عشان أعطل حريتها.. أنا وافقت على الخلع، وبقول قدام ربنا وقدامك.. هي تبرأني من كل حقوقها المادية، وأنا ببرأها من أي ذنب، وبطلب منها السماح.”

ساد الصمت أرجاء القاعة. رأيتُ دموعًا فرت من عينيها لأول مرة، لم تكن دموع ضعف، بل دموع ارتياح لأن كرامتها رُدّت إليها في نفس المكان الذي أهينت فيه.

رفع القاضي نظارته، ونظر إليّ بنظرة تقدير متأخرة، ثم أمسك بمطرقته ودوى صوتها في القاعة:

> **”حكمت المحكمة بالتطليق خلعًا…”**

>

بضربة مطرقة واحدة، انتهت ثمانية عشر عامًا من الزواج. التفتتْ هي وخرجت من القاعة بخطوات سريعة دون أن تلتفت وراءها، وتبعتها عائلتها، بينما بقيتُ أنا مكاني، أشعر بنقص شديد، لكنه نقص مستحق.

### الحكمة من القصة

مرت الشهور، وتأقلمتُ مع حياتي الجديدة وحيدًا في الشقة الفارغة. أرسل مصاريف أولادي أولًا بأول دون أن يطلبوا، ولم أعد أتدخل في شؤون طليقتي التي علمتُ لاحقًا أنها أسست مشروعها الخاص وتعيش في سلام وأمان. ومن وسط هذا الرماد، خرجتُ بالحكمة التي دفعتُ ثمنها عمري كله:

* **المرأة لا تشيخ بالسن، بل بالإهمال:** توهمتُ أن بلوغها سن الـ 42 يجعلها بلا خيارات، ونسيتُ أن المرأة في هذا السن تكون قد وصلت لنضج يفوق عناد الرجل؛ سن يرفض التضحية بالكرامة من أجل “العشرة” المزيفة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *