دفنا امي ..صابرين محمد

دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
لو هناء لقت الصندوق بلغوا الأستاذ شريف… بس قولوله يلحق قبل ما تعرف إني مش أخوها.
والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقع من مكانه، والموبايل ساب إيدي لوحده وكأني فقدت الإحساس بأصابعي فجأة، لكنه ما وقعش على الأرض، وقع في حضني بهدوء غريب، كأن حتى صوت الخبطة كان خايف يكسر السكون التقيل اللي كان مالي البيت من ساعة ما أمي ماتت.
فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا مش مستوعبة.
مش أخوها؟
يعني إيه مش أخوها؟
يعني سامح اللي عشت معاه العمر كله، واللي كنت فاكرة إن الدم اللي بيجري في عروقه من نفس الدم اللي بيجري في عروقي، يطلع مش أخويا أصلًا؟
بإيد مرتعشة شغلت الرسالة تاني.
وبعدين تالت.
وبعدين رابع.
وفي كل مرة كانت نفس الجملة بتنزل على قلبي زي السكين.
قبل ما تعرف إني مش أخوها.
ولما ركزت أكتر سمعت صوت نهلة من بعيد، وكان واضح إنها متوترة وخايفة.
قالت بسرعة
اقفل يا سامح… إنت كلمت الرقم الغلط.
وبعدين التسجيل اتقطع.
بس الضرر كان حصل.
لأن الحقيقة وصلت.
والسر اللي كانوا بيحاولوا يخبوه سنين طويلة وقع بين إيديا في ثواني.
فضلت قاعدة مكاني وسط التراب وريحة المطر والورق القديم اللي كان مالي الأرض حواليّا، وأنا حاسة إن البيت نفسه بقى غريب، وكأن كل ركن فيه كان مخبي حكاية وأنا الوحيدة اللي معرفتهاش.
قدامي صورة بتقول إن أمي ماكنتش الست اللي كنت فاكراها.
ودفتر بنك فيه ملايين الجنيهات كانت على بعد خطوة مني طول السنين دي كلها وأنا وأمي بنعد الجنيه قبل ما نصرفه.
ورسالة صوتية بتقول إن الراجل اللي ناداني أختي من يوم ما وعيت على الدنيا يمكن ما يكونش أخويا أصلًا.
أو يمكن يكون مخبي عني حاجة أخطر بكتير.
مديت إيدي على الملف وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع، وفتحت ورقة تانية من الورق القديم اللي كان جوه العلبة.
كانت شهادة ميلاد.
شهادة ميلاد باسم سامح.
وقفت عيني عند الاسم.
وبعدين نزلت على اسم الأم.
فاطمة عبدالعال.
أما خانة الأب فكانت فاضية تمامًا.
لكن اللي شد انتباهي أكتر إن كان فيه جواب قديم متطوي ومتدبس في الشهادة.
أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي اتقبض.
خط أمي.
الخط اللي كانت بتكتب بيه ورقة المشتريات.
والخط اللي كانت تسيبلي بيه ملاحظات صغيرة وأنا راجعة من المدرسة.
فتحته بسرعة كأني بغرق ومستنية أي كلمة تنقذني.
وكان أول سطر مكتوب فيه
يا بنتي…
سامح مش ابني.
والله العظيم في اللحظة دي حطيت إيدي على بقي من الصدمة.
وقريت الجملة مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لكنها ما اتغيرتش.
كانت زي ما هي.
واضحة وصريحة وموجعة.
أمه كانت بتشتغل معايا، وماتت وهو عنده تلات شهور، وماكانش ليه حد في الدنيا يسأل عليه.
أخدته وربّيته كأنه ابني بالظبط.
وعمري ما قولتله الحقيقة.
لأن مفيش طفل يستاهل يحس إنه اتساب مرتين.
سامح.
الولد اللي أمي شالته وربّته وكبرت معاه.
الولد اللي كان المفروض يبقى أكتر واحد واقف جنبها وهي عيانة.
الولد اللي كان أول واحد يفكر في البيت والورث بعد دفنتها.
الولد اللي سابني أشيل حملها لوحدي وأنا بجري بيها بين الدكاترة والمستشفيات.
طلع أصلًا مش ابنها.
ساعتها حسيت إن الأرض كلها بتتحرك من تحتي.
لكن الصدمة ماوقفتش عند كده.
لأن كل ما كنت بقرأ سطر، كانت الدنيا بتتقلب أكتر.
لكن لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف مقدرتش أشرحلك الحقيقة

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *