من رمضان ٣ حكايات روماني مكرم
سقطت ورقة الإعلان من يدي على الأرض، وبقيتُ واقفاً في مكاني لعدة دقائق والذهول يشلّ عقلي. “دَعوى خُلع؟!”.. الكلمة نفسها كانت كالصاعقة التي ضربت رجولتي وكبريائي في مقتل. لم تطلب الطلاق العادي الذي قد يستغرق شهوراً أو سنوات في المحاكم، بل اختارت الطريق الأسرع والأكثر حسماً؛ الطريق الذي تعلن فيه صراحةً أنها مستعدة للتنازل عن كل حقوقها المادية في مقابل التخلص من العيشة معي.
انحنيتُ وأمسكتُ بالورقة ويدي ترتجف، ودخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب. جلستُ على طرف السرير الذي شهد على قطيعة عام كامل، ونظرتُ إلى الفراغ. بدأت التساؤلات تنهش رأسي: كيف وصلتْ إلى هذه المرحلة من الجرأة؟ أين ذهبت تلك الزوجة الهادئة التي كانت تخاف من غضبي وتتحمل نبرة صوتي العالية؟
تذكرتُ سؤالي الأناني الذي طرحتُه على نفسي قبل أيام: *”هو معقول ست عندها 42 سنة يبقى لسه ليها سوق في الجواز؟”*
الآن فقط فهمت كم كنت غبياً ومغروراً. الـ 42 سنة لم تكن نقطة ضعفها كما توهمتُ، بل كانت سن النضج الحقيقي؛ السن الذي تفهم فيه المرأة أن العمر قصير جداً لتقضيه تحت رحمة رجل يبتزها عاطفياً ومادياً، وأن كرامتها وراحتها النفسية تساوي الدنيا وما فيها. لقد رأتْ في مرآتها امرأة ناضجة، موظفة، محترمة، وقادرة على حماية نفسها، بينما كنت أرى فيها أنا مجرد “فيزا بنكية” وشقة ورثتها عن والدها.
في اليوم التالي، انتشر الخبر كالنار في الهشيم. تلقيتُ اتصالاً عاتباً من والدتي، وصوتها يرتجف من الصدمة:
“عملت إيه في مرأتك يا ابني خليتها توصل لكده؟ دي الست الأصيلة اللي شالتك في كحلتك وعماك! بقى تخاصمها سنة عشان تمسك قرشينها؟ فضحتنا وسط الناس وخليت اللي ما يشتري يتفرج علينا والمحاكم تتدخل بينكم!”
حاولتُ الدفاع عن نفسي وصوتي يرتعش: “يا أمي دي عايزة تمشي البيت على مزاجها وتصرف في حاجات مالهاش لازمة…”
قاطعتني والدتي بقسوة لم أعهدها منها: “حاجات مالهاش لازمة إيه؟ اللبس النضيف لعيالك والتعليم والنت اللي بقوا أساس الدنيا هو اللي مالهوش لازمة؟ فوق لنفسك يا ابني.. الست قفلت بابها وخلاص جابت أخرها منك، ولو مخسرتهاش كزوجة، هتخسر عيالك اللي شايفينك بتموت أمهم بالبطيء.”
أغلقت أمي الهاتف، لتتركني مع جرح جديد في كبريائي. التفتُّ لأجد ابني “زياد” واقفاً على باب الغرفة. كانت ملامحه حزينة، لكنها حملت نضجاً مفاجئاً لا يناسب سنه.
نظر إليّ وقال بصوت هادئ ومجروح: “بابا.. أنا شوفت ورقة المحضر على السفرة وعرفت. أنا مش زعلان من ماما، أنا زعلان عليك أنت.. ماما تعبت كتير واستحملت عشاننا، وإحنا مش هنقدر نشوفها بتعيط تاني. أنا هروح أقعد معاها عند خالتو أم سارة لحد ما المحكمة تحكم، وأختي هتيجي معايا.”