من رمضان ٣ حكايات روماني مكرم

نادى موظف التسوية على أسمائنا، فدخلنا إلى مكتب الأخصائي الاجتماعي.

بدأ الأخصائي يقرأ الأوراق، ثم نظر إلينا وقال بنبرة هادئة:

“يا جماعة، أنتم عشرة 18 سنة، وعندكم أولاد في سن حرجة.. دعوى الخلع دي معناها إن المدعية متنازلة عن كل حقوقها الشرعية والمادية مقابل الانفصال. هل مفيش أي مجال للصلح؟”

تنحنحتُ وحاولتُ التحدث، فقلت بصوت متهدج: “يا سيادة المستشار.. أنا شاري بيتي وولادي، والموضوع كله كان سوء تفاهم وخلاف على إدارة مصاريف البيت، وأنا جاهز…”

قاطعتني نبرة صوتها التي نزلت كالسيف القاطع في الغرفة. التفتتْ إلى الأخصائي وقالت بثبات هزّ كياني:

“سيادة المستشار.. الموضوع مش سوء تفاهم، ولا هو خلاف على الفلوس. الأستاذ قاطعني سنة كاملة.. سنة كاملة عايشة معاه في بيت واحد كأني خادمة ماليش ثمن، لا كلمة طيبة، ولا نظرة رضا، ولا حتى سلام ربنا. هجرني في الفراش وفي الأكل وفي الكلام، واستخدم أولادي وسيلة للضغط عليا عشان يسلبني أماني وشقايا ويقهر كرامتي. الـ 18 سنة اللي بيتكلم عنهم، أنا دفعت ثمنهم من صحتي وأعصابي، والنهاردة أنا مش طالبة غير حاجة واحدة بس.. حريتي. أنا متنازلة عن المؤخر، وعن المتعة، وعن النفقة، ومستعدة أدفع عمري كله بس ملمحش النظرة اللي كانت بتقلل مني كل يوم.”

التفتتْ إليّ لأول مرة، وكانت عيناها تشعان بقوة ونضج لم أرهما فيها من قبل، وقالت بصوت مسموع:

“أنا عندي 42 سنة يا أبو زياد.. السن اللي أنت كنت فاكر إنه هيرعبني ويخليني أقبل بالإهانة خوف من كلام الناس، هو السن اللي عرفت فيه قيمتي بجد. أنا لسه قدامي عمر هعيشه لنفسي ولولادي، ومع إنسان يقدرني ويحترمني كبني آدمة، مش كفيزا في بنك أو شقة ورثتها عن أبويا.”

أنهت كلماتها، ووقعتْ على أقوالها في دفتر التسوية بالقلم بكل حسم، ثم التفتت للمحامي وقالت: “يلا بينا يا أستاذ عشان نحدد جلسة المحكمة.”

خرجتْ من الغرفة وتبعتها عائلتي، وبقيتُ أنا جالسًا أمام الأخصائي الاجتماعي الذي نظر إليّ بنظرة أسى مشوبة باللوم، وقال وهو يغلق الملف:

“الست لما بتستحمل سنة في صمت يا أستاذ.. مابتستحملش ضعف، دي بتكون بتصفي حساباتها مع العشرة عشان لما تمشي، تمشي وماتلتفتش وراها تاني.. ربنا يعوض عليك.”

خرجتُ من المحكمة أجر أذيال الخيبة، والإنذار الأخير يتردد في عقلي: لقد خسرتُ الجولة الأولى، ولم يعد أمامي سوى أيام قليلة قبل أن يقف القاضي على منصته ليقضي بالخلع، وينهي ثمانية عشر عاماً من حياتي بضربة مطرقة واحدة.. إلا إذا حدثت معجزة تُغير كل شيء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *