حكايات زهره الربيع 3

وفي وسط زحمة الشارع والمحطة، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.. رقم من المحافظة بتاعتنا.

فتحت الخط وأنا بنهج، لقيت صوت راجل غليظ وجاف بيقولي: “يا محمود يا مكرم.. حمد لله على السلامة في بلدك الجديدة. متفتكرش إنك لما تركب القطر وتغير المحافظة مش هنعرف طريقك.. إحنا عارفين أنت نازل في أنهي داهية ومعاك شنطة الفلوس كاش.. قدامك ساعتين بالظبط، يا تجيب الفلوس دي وتقابلنا في العنوان اللي هبعتهولك، يا إما وصولات الأمانة بتاعة أخوك الصغير هتقدم للنيابة الليلة، وأحمد هيبات في التخشيبة.. فكر كويس، شقا عمرك قصاد حرية أخوك ولحمك ودمك!”

الخط اتقفل، وأنا وقفت في نص الشارع زي الصنم، الناس بتخبط فيا وأنا مش حاسس بالدنيا.. بصيت لناهد لقيتها بتبكي وبتترعش وبتحضن العيال وبتقولي: “لأ يا محمود.. لأ ببوس إيدك.. الفلوس دي لأ.. دي صحتي وشبابي اللي ضاع في الأسواق!”

وبصيت للرسالة اللي في إيدي.. أخويا اللي غلط بس في الآخر استرجل وقالي اهرب، وأمي اللي كدبت عليا بدافع غريزة الأمومة عشان تنقذ ابنها من السجن.

أنا دلوقتي في أصعب اختبار في حياتي.. ساعتين والقرار لازم يتاخد، يا أشتري أخويا وأبيع عمري، يا أشتري عمري وأبيع أخويا.. وخطوتنا اللي جاية هي اللي هتحدد إحنا رايحين على فين…

الساعتين كانوا بيمروا على رقبتي زي السكي..نة التلمة. كنت واقف في وسط المحطة، شنطة الفلوس في إيدي زي الجمرة القايدة، مش عارف أرميها فين ولا أداريها إزاي.

ناهد كانت باصة لعيني، وفي عينيها ألف رجاء وتوسل، قالتلي بصوت مخنوق بالدموع: “محمود.. لو الفلوس دي راحت، أنا مش هبقى معاك تاني.. مش كره فيك، بس عشان مش هقدر أبص في وشك وأنا شايفة شقايا وصحتي اتنتروا في الهوا عشان كدب وطيش. سيب أخوك يشيل شيلته، هو اللي مضى وهو اللي غلط!”

كلام ناهد كان حقيقي ويقسّم الظهر، بس في نفس الوقت، صورة أمي وهي بتلطم، وصورة أخويا وهو مكسور وكاتبلي “اهرب وخليني أشيل شيلتي” كانت بتطاردني. لو سيبته يتسجن، هعيش طول عمري حاسس إني بنيت سعادتي على خراب عيلتي.

وفجأة، وسط الدوامة دي، ربنا نوّر بصيرتي بفكرة.. فكرة تخليني مابعش مراتي وفي نفس الوقت منقذش أخويا “على الجاهز” ويطلع منها ببلاش.

بصيت لناهد وقولتلها بلهجة قاطعة: “ناهد، اسمعيني كويس ومتقاطعينش.. إحنا مش هنلعب دور الضحية تاني، والفلوس دي مش هتضيع.”

مسكت التليفون وطلبت الرقم الغريب اللي كلمني. الراجل رد عليا بنبرة كلها ثقة وفوز: “ها يا محمود؟ لمتش شملك وعرفت مصلحة أخوك فين؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *