عزمتُ خطيب ابنتي ١

يتبع…

تراجعتُ خطواتٍ للخلف، وقلبي يقرع صدري كالطبل. نظرتُ إلى الرجل الواقف أمام السيارة، ثم نظرتُ إلى هاتفي الذي لا تزال مريم تصرخ فيه: “أمي، سامي دخل البيت الآن، إنه يكسر الأبواب ويسأل عنكِ!”.

الرجل أمام السيارة بدأ يتقدم نحوي بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تحملان نفس نظرة سامي الباردة، لكن ندبةً صغيرة كانت تشق حاجبه الأيسر، لم أرَها في سامي أبداً. سألني بصوتٍ هو نسخة طبق الأصل من صوت خطيب ابنتي:

“من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا؟”

لم أجب، بل ركضتُ بكل ما أوتيتُ من قوة نحو الطريق العام. ركبتُ أول سيارة أجرة صادفتني، وأنا أرتجف كالمحمومة. أخبرتُ السائق بعنوان بيتي، وفي عقلي تدور ألف علامة استفهام. مَن هذا الذي رأيتُه؟ وكيف يمكن لشخصين أن يتطابقا بهذا الشكل؟

وصلتُ إلى الحي، فوجدتُ جلبةً أمام بيتنا. دخلتُ مسرعة، فوجدتُ الأثاث محطماً، ومريم منهارة في الزاوية، وسامي واقفاً في منتصف الصالة بهدوئه المرعب، يمسك بيده ورقةً قديمة.

عندما رآني، ابتسم تلك الابتسامة التي تجمد الدماء. قال بنبرة واثقة:

“تأخرتِ يا خالة فاطمة. كنتُ أبحث عن عقد ملكية هذه الشقة.. مريم أخبرتني أنكِ تنوين بيعها لتجهيزها، أليس كذلك؟”

نظرتُ إلى مريم، كانت تهز رأسها بالنفي وهي تبكي بصمت. صرختُ فيه بوجهه لأول مرة:

“اخرج من هنا! لقد رأيتُك.. رأيتُك في أطراف المدينة مع رجلٍ يشبهك! مَن أنت ومن يكون هو؟”

اختفت الابتسامة من وجهه فجأة، وحلّ محلها شحوب مفاجئ. اقترب مني وهمس في أذني بصوتٍ كفحيح الأفعى:

“إياكِ أن تتحدثي عن ذلك المكان مرة أخرى.. وإلا فإن ما حدث لوالد مريم قبل خمس سنوات، سيحدث لكِ ولها الليلة.”

تسمرتُ في مكاني. زوجي مات بسكتة قلبية مفاجئة.. أو هكذا قيل لي حينها! هل لهذا المجرم يد في موته؟ وكيف وهو لم يدخل حياتنا إلا منذ شهور؟

خرج سامي وهو يصفع الباب خلفه، تاركاً خلفه دماراً ونفوساً محطمة. ارتميتُ عند قدمي ابنتي، أمسكتُ وجهها بيدي وقلتُ لها:

“يا مريم، أخبريني بالحقيقة.. ماذا يمسك عليكِ؟ ولماذا ذكر اسم والدكِ؟”

رفعت مريم رأسها، وكانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وقالت بصوتٍ مرتعش:

“سامي ليس شخصاً واحداً يا أمي.. سامي هو ‘توأم’.. والرجل الذي رأيتِه هو أخوه ‘عمر’. والدي لم يمت بسكتة قلبية، والدي رأى أخاه في ليلةٍ مشؤومة يسرق مخزناً، وعندما حاول منعه.. هجموا عليه.”

شهقتُ من الصدمة، لكن مريم أكملت وهي تشهق بالبكاء:

“سامي لم يخطبني حباً فيّ، بل ليضمن صمتي.. لقد صوروني في ذلك اليوم وأنا واقفة بجوار جثة أبي، وأوهموني أن بصماتي على الأداة التي قتلوه بها.. هددوني أنهم سيسلمون الصور للشرطة ويقولون إنني قتلتُ أبي لأرثه وأهرب مع حبيبٍ سري.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *