عزمتُ خطيب ابنتي ١

تسمرتُ في مكاني، بينما كان سامي يلملم بروده المعتاد، وسحب الهاتف بسرعة قبل أن تصل إليه يدي، ثم وضعه في جيبه وكأن شيئاً لم يكن. نظر إليّ بتحدٍ وقال بنبرة خفيضة لا يسمعها غيرنا:

“يا خالة فاطمة.. البيوت أسرار، ومريم تعرف مصلحتها جيداً.. أليس كذلك يا مريم؟”

نظرتُ إلى ابنتي، كانت كالعصفور المبلل تحت المطر، هزت رأسها بآلية مرعبة وهي تهمس بصوت مبحوح:

“نعم يا أمي.. سامي يخاف عليّ فقط.”

في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لا أواجه رجلاً صالحاً، بل أواجه وحشاً يرتدي قناع التقوى. لم يكن يكتفي بالسيطرة عليها، بل كان يبتزها بشيء ما، شيء جعلها تفضل الموت على الفضيحة في حينا الشعبي الذي لا يرحم.

انتهى العشاء الثقيل، وخرج سامي من بيتنا بخطوات واثقة، بعد أن طبع قبلة باردة على رأس مريم أمام عيني، وكأنه يرسل لي رسالة مفادها: “لقد انتهى الأمر، هي ملكي الآن.”

بمجرد أن أُغلق الباب، انفجرت مريم بالبكاء، ارتمت في حضني وهي تصرخ بصمت، كانت ترتجف لدرجة أن أسنانها كانت تصطك ببعضها. حاولتُ تهدئتها، سألتها عن الهاتف، عن الصورة، عن سبب خوفها.. لكنها لم تنطق إلا بجملة واحدة حطمت قلبي:

“سيدمرنا يا أمي.. سيقتلني ويقتلكِ بالفضائح إن تركته.”

لم أنم ليلتها، بقيتُ جالسة في صالة البيت، أراقب الفجر وهو يشق عتمة وهران، وأفكر في هذا “الرجل المثالي” الذي يمتدح الجميع أخلاقه في المسجد. تذكرتُ هدوءه المستفز، وكيف كان يتحكم في أنفاسها.

وفي الصباح الباكر، قررتُ أن أتحرك. لم أذهب إلى الشرطة، فسامي ذكي ولن يترك خلفه دليلاً سهلاً، بل ذهبتُ إلى عنوان قديم كنتُ قد سمعتُ سامي يذكره ذات مرة في اتصال هاتفي.. عنوان لبيت مهجور في أطراف المدينة.

وهناك، وبينما كنتُ أراقب المكان من بعيد، رأيتُ سيارته تقف. لم يكن وحده، كان معه رجل آخر، وبدا وكأنهما يتبادلان مغلفاً أسود.

اقتربتُ بحذر، مختبئة خلف جدار متهالك، حتى صرتُ على مسافة تسمح لي بسماع فحيحه وهو يقول للرجل الآخر:

“البنت وأمها في جيبي الآن.. الأم رأت الكثير بالأمس، وعلينا إنهاء الأمر قبل أن تبدأ بالكلام.”

تراجعتُ للخلف، لكن قدمي تعثرت بحجر قديم، فأصدر صوتاً في سكون المكان.

توقف سامي عن الكلام فجأة، والتفت ببطء نحو المصدر، ورأيتُ لمعة الغدر في عينيه وهو يسحب شيئاً حاداً من حزامه.

في تلك اللحظة، رن هاتفي في جيبي.. كانت مريم تتصل وهي تصرخ:

“أمي.. اهربي! سامي في البيت.. إنه يبحث عنكِ!”

تجمدتُ في مكاني.. إذا كان سامي في البيت يبحث عني، فمن هو الشخص الذي يقف أمامي الآن ويشبهه لدرجة التطابق؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *