حمايا الراحل حكايات اسما السيد
افتكرت لما مرض ومقدرتش آخده مستشفى كويس، وفضلت أقول لنفسي: “هو أصلًا قرب يموت”.
افتكرت نظراته.
سكوته.
دعواته ليا بعد كل أكلة.
ولأول مرة فهمت إن الإنسان ممكن يكون غلبان لدرجة إنه ما يعرفش يعبر عن حبه غير بالتضحية في صمت.
بعد ما الكل مشي، دخلت أوضته.
أوضته اللي كنت طول الوقت شايفها حمل على البيت.
ريحة الكافور والدواء لسه فيها.
السجادة الصغيرة متنية عند الطرف. العكاز جنب السرير. والنضارة فوق المصحف المفتوح.
قعدت على سريره وأنا حاسس إن صدري بيتقطع.
فتحت الدرج الصغير اللي جنب السرير.
لقيت ظرف تاني.
باسمي برضه.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
“محمود… لو وصلت للجواب ده، يبقى أكيد عرفت الحقيقة. وعارف إنك دلوقتي بتعذب نفسك. بس أوعى. اسمع مني للمرة الأخيرة… أنت مش وحش.”
دموعي نزلت بغزارة.
“الراجل اللي يشيل راجل عجوز عشرين سنة رغم تعبه، عمره ما يكون وحش. التعب بس كان مغطي قلبك. وأنا عمري ما زعلت منك.”
عضيت على شفايفي علشان ما أصرخش.
“عارف إنك كنت بتقول عليا عبء… لكني كنت بشوفك كل يوم تصحى الفجر علشان مراتك وعيالك. كنت بشوفك تستخبى علشان تعيط لما الفلوس تخلص. وكنت بدعي ربنا كل ليلة يريح قلبك.”
حطيت إيدي على عيني.
أنا… عمري ما حد شافني بالشكل ده.
ولا حتى أبويا.
لكن الراجل اللي أنا احتقرته… كان شايفني.
الرسالة انتهت بجملة كسرتني:
“لما تيجي البلكونة بعدي… افتح الراديو الساعة الفجر. هتلاقيني هناك.”
تاني يوم، صحيت قبل الفجر.
مش عارف ليه.
طلعت البلكونة، والبرد خفيف والهوا ساكن.
شغلت الراديو القديم.
طلعت نفس الأغنية اللي كان بيسمعها آخر ليلة.
“جبار” لعبد الحليم.
وقتها… انفجرت في العياط.
عياط راجل مكبوت سنين.
قعدت على كرسيه، وحطيت العكاز جنب رجلي، وحسيت إني لأول مرة فاهم معنى الوحدة اللي كان عايشها.
من اليوم ده، حاجات كتير اتغيرت.
يوسف نقل أوضته بنفسه وقال: —الأوضة دي هتفضل باسم جدو.
وسلمى علقت صورته جنب السفرة.
أما هالة… فبقت كل ليلة تدعيله وهي بتعيط.
سامح وإخواته اختفوا تقريبًا بعد ما فشلوا ياخدوا أي حاجة. وعرفت بعدها إن سامح كان غرقان ديون، وجاي العزا أصلًا يدور على أي مصلحة.
لكن الغريب… إني ما بقيتش أكرهه.
لأن الحاج عبد الرحيم علمني حاجة متأخر:
إن الإنسان اللي قلبه مليان مرارة… بيعيش معذب أكتر من أي حد حواليه.
بعد شهور، نزلت المقابر لوحدي.
وقفت قدام قبره وأنا ماسك الراديو القديم.
وقلت بصوت مكسور: —سامحني يا حاج… سامحني يا أبويا التاني.