حمايا الراحل حكايات اسما السيد
“عارف إنك كنت فاكر إني باكل ببلاش. لكن الحقيقة إن كل شهر، لمدة سبعتاشر سنة، كنت ببيع من أرض ورثتها عن أبويا حتة حتة… وأبعت الفلوس لمدير البنك يسدد بيها أقساط بيتك من غير ما تعرف.”
سكتت الدنيا كلها.
حرفيًا.
حتى صوت المروحة اختفى من وداني.
بصيت لهالة: —إيه؟
المحامي طلع كشف حسابات قديم. —الأقساط اللي كانت بتتدفع باسم مجهول… كانت من المرحوم.
أنا افتكرت اللحظات اللي كنت أستغرب فيها إزاي البنك بيديني مهلة. وإزاي القسط يتدفع فجأة بعد ما أكون خلاص قربت أتحبس.
كنت فاكرها رحمة من ربنا.
طلعت رحمة جاية على هيئة راجل أنا كرهته سنين.
سامح قام بعصبية: —يعني إيه؟! الأرض دي من حقنا كلنا!
المحامي بصله ببرود: —الأرض اتباعت فعلًا… وكل فلوسها راحت لمحمود.
سامح خبط الترابيزة: —إنتو بتضحكوا علينا!
المحامي طلع ملف أخير: —وفيه حاجة كمان.
فتح الورقة الأخيرة وقال: —البيت اللي قاعدين فيه… متسجل باسم الأستاذ محمود من خمس سنين.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
البيت؟
البيت اللي فضلت عشرين سنة بدفع عمرى فيه؟
المحامي هز راسه: —الحاج عبد الرحيم خلص باقي أقساطه بالكامل قبل وفاته بسنة. وسجله باسمك.
هالة بدأت تعيط بصوت مكتوم.
أما أنا… فكنت حاسس بخنقة بتقتلني.
افتكرت آخر مرة اتخانقت معاه فيها.
كنت راجع متعصب من الشغل، لقيته ناسي نور الحمام مفتوح.
صرخت فيه: —إنت جاي تاكل وتشرب وتموتنا معاك؟!
ساعتها الراجل سكت… وبص للأرض… وقال بهدوء: —حقك عليا يا ابني.
يا ابني.
كان بيقولها بصدق.
وأنا عمري ما رديتها له.
يوسف ابني الصغير كان واقف جنب الباب بيسمع. قرب مني وقال بصوت مرتعش: —يعني جدو كان بيساعدنا يا بابا؟
ما عرفتش أرد.
لأني لو اتكلمت كنت هنهار.
سامح حاول يخطف الأوراق من المحامي: —أنا هارفع قضية!
المحامي رد ببرود: —ارفع اللي ترفعه. كل حاجة قانونية. وفيه تسجيلات كمان للمرحوم قبل وفاته.
وشغل تسجيل صغير.
وصوت الحاج عبد الرحيم طلع واطي ومتعب:
“أنا مسامح ولادي… حتى بعد ما رموْني. لكن البيت ده من حق محمود. الراجل ده شالني أكتر ما ولادي شالوني. ولو كنت أقدر أرجع عمره اللي ضاع… كنت عملت.”
هالة انهارت تمامًا.
أما أنا فقمت من مكاني ومشيت للبلكونة.
نفس البلكونة اللي مات فيها.
الكرسي لسه مكانه.
الراديو القديم لسه فوق الرف.
ولأول مرة… حسيت بفراغ مرعب.
مش لأنه مات.
لكن لأني اكتشفت متأخر أوي إنه كان بيحبني وأنا ما استاهلتش.
فضلت أبص للكرسي فترة طويلة.
افتكرت يوم ما جبتله بطانية رخيصة من السوق في عز الشتا، ورجعت أزعق له بعدها بنص ساعة علشان “بيستهلك كهربا زيادة” وهو مشغل الدفاية.