حمايا الراحل حكايات اسما السيد
الهوا كان ساكت.
لكن لأول مرة من سنين… حسيت براحة صغيرة دخلت قلبي.
رجعت البيت بعدها، دخلت أوضته، ولميت هدومه بنفسي.
ولقيت تحت المخدة كيس صغير.
فتحت الكيس… لقيت الموتوسيكل القديم بتاعي.
الموتوسيكل اللي كنت بعته علشان عمليته.
كان محتفظ بالمفتاح.
ومكتوب في ورقة صغيرة: “كنت ناوي أصلحهولك لما أتحسن.”
الفصل التالي
عدّى تقريبًا سنة كاملة على وفاة الحاج عبد الرحيم، لكن الغريب إن وجوده ما اختفاش من البيت أبدًا. بالعكس… أوقات كتير كنت أحس إن الراجل لسه عايش وسطنا، في التفاصيل الصغيرة اللي كان بيعملها كل يوم من غير ما ناخد بالنا.
في الفجر، كنت أصحى أحيانًا على صوت الراديو، وأفتكر للحظة إنه قاعد في البلكونة بيقلب بين المحطات القديمة. وفي الشتا، كل ما أشوف البطانية البنية اللي كان بيحبها، أحس بوخزة في صدري كأن حد بيحرك سكينة ببطء جوايا.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني… إني بقيت أشوف نفسي بعنيه هو.
وأكره اللي بشوفه.
بقيت أرجع من الشغل أبص على الكرسي الفاضي وأفتكر كل كلمة قاسية قلتها له. كل مرة اتأففت فيها من طلب صغير. كل مرة حسسته إنه تقيل.
لحد ما في يوم، يوسف دخل عليا الورشة.
كان عنده سبعتاشر سنة وقتها، وطوّل فجأة بطريقة خلتني أحس إن العمر بيجري.
وقف قدامي وقال: —بابا… ممكن أسألك سؤال؟
—اسأل يا حبيبي.
سكت شوية، وبعدين قال: —لو جدو ما كانش كتب الجواب… كنت هتفضل فاكره عبء؟
السؤال ضربني في قلبي مباشرة.
ما عرفتش أرد.
لأني عارف الحقيقة.
أيوه… كنت هافضل ظالمه حتى بعد موته.
يوسف بص للأرض وقال بهدوء: —أنا ساعات بخاف أبقى زيك.
الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.
سيبت المفتاح من إيدي وبصيت له: —ليه بتقول كده؟
قال وهو بيحاول يبان قوي: —علشان لما حد يبقى تعبان… إنت ساعات بتبقى قاسي أوي.
سكت.
وأول مرة ألاحظ إن ابني بقى بيحسب تصرفاتي زي ما أنا كنت بحسب تصرفات أبويا زمان.
في الليلة دي ما نمتش.
فضلت قاعد في البلكونة، نفس مكان الحاج عبد الرحيم، أبص للسما وأفكر.
يمكن القسوة مرض بيتورث.
يمكن الراجل لما الدنيا تفرمه، يبدأ يوزع وجعه على اللي حواليه من غير ما يحس.
افتكرت أبويا وهو بيزعق طول الوقت قبل ما يموت. وافتكرت نفسي وأنا بكرر نفس العصبية مع عيالي.
وقتها خفت.
خفت أكون بضيعهم بنفس الطريقة.
تاني يوم أخدت قرار غريب.
قفلت الورشة بدري، وروحت البيت ومعايا أكياس أكل وحلويات.
هالة استغربت: —فيه إيه؟
قلت بهدوء: —عايز نتغدى سوا.
يوسف وسلمى بصوا لبعض باستغراب كأني شخص تاني.