حمايا الراحل حكايات اسما السيد
برجاء نسخ هذا المقال
كنت فاكر إن حمايا عاش عشرين سنة في بيتي وهو مجرد عـ,ـبء كـ,ـسر ضهري وخلاني أغرق في الديون… لحد ما وقفت قدام نعشه وقلت كلمة ندمت عليها طول عمري. لكن بعد دفنه بثلاث أيام، أولاده جم يجروا على الورث… والمحامي فتح جواب قديم باسمي أنا، وكشف سر قلب حياتنا كلها رأسًا على عقب.
=عشرين سنة بياكل على سفرتي… ولا مرة حتى جاب رغيف عيش قلتها وأنا واقف قدام نعش حمايا، من غير ما أعرف إن الجملة دي هتفضل تطاردني طول عمري.
مراتي، هالة، بصتلي وكأني غرست سكينة في قلبها: ارجوك ما تتكلمش عن أبويا كده يا محمود..بلاش كده
سكت… مش لأني ندمت، لكن لأن قاعة العزا كانت مليانة جيران وقرايب وناس يمكن ماكانوش يعرفوا الحاج عبد الرحيم أصلًا، لكن بيعيطوا عليه كأنه كان شايلهم فوق راسه العمر كله.
الحقيقة كانت غير كده.
الحاج عبد الرحيم عاش عندنا عشرين سنة كاملة في بيتنا في طنطا، في الأوضة الصغيرة اللي جنب السطح. جه بشنطة قديمة، وجلابيتين، وعكاز خشب ونظرة مكسورة. هالة قالت وقتها إن الموضوع مؤقت… وإن إخواتها هيتقسموا المسؤولية… وكل واحد يشيل شوية.
ولا واحد شال حاجة.
الشهور بقت سنين… والسنين بقت ديون.
وأنا كنت بشتغل ورديتين في ورشة كاوتش، أرجع ضهري متكسر، ألاقي الراجل قاعد على الكرسي بتاعي، سامع الراديو وبيغمس العيش في الشاي كأن الدنيا ببلاش.
—ربنا يخليك يا ابني — كان يقولها بهدوء.
لكن كلمة “ربنا يخليك” ما كانتش بتدفع فاتورة الكهربا.
ولا أنبوبة الغاز.
ولا علاج الضغط والسكر.
ولادي، يوسف وسلمى، كبروا وهما متزاحمين في أوضة واحدة، لأن جدهم واخد الأوضة الوحيدة الفاضية. بعت الموتوسيكل بتاعي علشان أعمله عملية في عينه. وسيبت السقف يشرّب مية في الشتا لأن الأولوية كانت للدواء بتاعه.
وكل مرة كنت أضيق وأتخانق، كان الحاج عبد الرحيم يطأطئ راسه ويقول:
—حقك عليا يا ابني… أنا خلاص قربت أمشي وأريحكم.
الجملة دي كانت بتعصبني أكتر.
لأنها كانت تحسسني إني ظالم.
وكانت تخليني أبان قدام نفسي إنسان وحش.
ولأنها في يوم… بقت حقيقة.
لقيناه قاعد في البلكونة بعد الفجر، الراديو شغال على أغنية قديمة، والعكاز بين رجليه. شكله كان كأنه نايم.
هالة صرخت صرخة سمعتها العمارة كلها.
الحاج عبد الرحيم كان مات.
العزا كان بسيط… شوية ورد دبلان، حر خانق، وناس كتير بتمثل الحزن. أولاده جم متأخر، عيطوا بصوت عالي، ومشيوا بسرعة. أكبرهم، سامح، خبطني على كتفي وقال بسخرية:
—أهو ارتحت يا محمود.
ما رديتش.
لأن جزء جوايا كان فعلًا حاسس بالراحة… وده كان أكتر شيء مخوفني.
بعدها بثلاث أيام، الباب خبط.
كان راجل لابس بدلة سودة، ماسك شنطة أوراق وتعبير وشه خلاني أتجمد.
—الأستاذ محمود عبد الحميد؟
—أيوه أنا.
—أنا محامي المرحوم الحاج عبد الرحيم منصور… وجاي أنفذ وصيته.
هالة وشها اصفر فورًا.
وبعد أقل من ساعة، إخواتها وصلوا كلهم، بريحة البرفان الغالي والطمع اللي باين في العيون.
سامح ضحك وقال:
—هو العجوز ساب إيه يعني؟ ده عاش عمره كله على حساب غيره.
المحامي حط الملف على الترابيزة بهدوء.
وبعدين طلع ظرف أصفر قديم.
كان مكتوب عليه بخط مهزوز: “إلى محمود”
مش “لبنتي”.مش “لأولادي”.اسمي أنا.
سامح كشر وقال بعصبية:أكيد في غلطة.
المحامي هز راسه:
—لا يا فندم… المرحوم أوصى إن الجواب يتقري قدام الجميع.
هالة مسكت إيدي بتوتر.
والمحامي فتح الظرف.
وأول سطر فيه خلاني أحس إن الأرض بتسحبني لتحت:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد