جوزي كلمني ٢

— “أنت مين؟” سألتُه وأنا على حافة النافذة.

نظر إليّ لثانية واحدة، وكان نورا القمر يضيء وجهه.. لم يكن وائل، ولم يكن أدهم.. كان شخصاً يشبه جدي إسماعيل في شبابه بشكل لا يصدق.

— “أنا اللي جدي وصاه يحميكي.. أنا (عمر)، الحفيد اللي فوزية حاولت تقتله وهو لسه مولود!”

قفزتُ من النافذة إلى حديقة خلفية، وجريتُ كالمجنونة نحو السيارة التي كانت تنتظر بمحرك دائر. ركبتُ وانطلقت السيارة، لكن السائق لم يتحدث. نظرتُ في المرآة لأرى وجهه، فكانت الصدمة الأخيرة قبل الوصول للنهاية.

كانت فوزية هانم هي من تقود السيارة! وجهها كان مغطى بالدماء، وعيناها زائغتان وهي تهمس بجنون:

— “مش هياخدوه مني.. الورث بتاعي.. ياسين بتاعي أنا!”

وفجأة، لم تتجه فوزية نحو قسم الشرطة، بل انحرفت بالسيارة نحو حافة جرف جبلي وهي تصرخ: “لو مش لينا.. يبقى مش لحد خالص!”

تابعو صفحه رومانى مكرم

 

## الجزء التاسع والأخير: الرماد والولادة الجديدة

كان صراخ “فوزية” يملأ أركان السيارة وهي تضغط على دواسة البنزين بكل قوتها، متجهة نحو الهاوية بجنون امرأة خَسرت كل شيء.. ثروتها، أبناءها، وعقلها. لم يكن أمامي سوى ثوانٍ معدودة.

بكل ما أوتيت من قوة وغريزة بقاء، سحبتُ مقبض الباب الخلفي وأنا أضم ياسين بقوة لصدري، وقبل أن تصل السيارة إلى حافة الجرف بمتر واحد، ألقيتُ بجسدي خارجاً. تدحرجتُ على الأرض الصلبة والأشواك تجرح جلدي، بينما طار طيف السيارة في الهواء للحظة قبل أن تسقط في قاع المنحدر، لتنفجر وتتحول إلى كتلة من لهب، صاهرةً معها كل أطماع فوزية هانم وجرائمها.

استلقيتُ على ظهري وأنا أنفث أنفاساً متقطعة، وياسين يصرخ فوق صدري. نظرتُ للسماء المرصعة بالنجوم وشعرتُ لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس هواءً نقياً.. هواءً خالياً من زيف “عيلة وائل”.

**بعد مرور ستة أشهر**

كانت الشمس تشرق على شاطئ هادئ بعيداً عن صخب القاهرة وتجمعات “التجمع”. جلستُ أمام مرسمي الصغير، حيث بدأتُ حياتي من جديد كفنانة تشكيلية، بعيداً عن صراعات الميراث والدم.

بجانبي كان يجلس “عمر”، الحفيد الذي أنقذني في اللحظة الأخيرة. اتضح أن عمر كان يعمل مع جهات سيادية منذ سنوات لإسقاط شبكة “سليم الرفاعي” والمحامي الفاسد. أما “أدهم” و”خالد” وكل من تورط في تلك الليلة المشؤومة، فقد انتهى بهم المطاف خلف القضبان بتهم التزوير، الخطف، والشروع في القتل.

أخرجتُ زجاجة صغيرة من المحلول الكيميائي الذي أعطاني إياه “وائل الحقيقي” قبل اختفائه الغامض (الذي لا يزال عمر يشك في أنه حيّ في مكان ما). مسحتُ على كتف ياسين بلطف، وبدأت الشفرة والوشم يتلاشيان تدريجياً حتى اختفيا تماماً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *