بيت العيله حكايات روماني مكرم ١
في اللحظة دي، حسيت إن الغمامة اللي كانت على عيني انقشعت، والدلع وطبعي اللي كنت بتحجج بيه طاروا في الهوا. صرخت بأعلى صوتي وناديت على “حسين” ابن جارتنا من البلكونة، جه جري وكسرنا الباب ودخل شال أمي معايا، حطيناها على السرير ودوبتلها مية بسكر بسرعة وزعقت لحسين: “هات الدكتور بسرعة يا حسين، أمي بتموت!”.
مسكت تليفون عصام اللي لسه على الخط وصرخت فيه: “عصام! نيرمين عملت حادثة وهي في المستشفى بين الحيا والموت! وأمك وقعت من طولها! سيبك من السفر وسيبك من كل حاجة، شوف هنعمل إيه!”، عصام صوته قطع من الصدمة، وفضل يصرخ ويسأل عن بناته.
الدكتور جه ولحق أمي بـ “محلول” وضبط السكر، وسبت جارتنا مع أمي وأبويا اللي كان بيبكي زي الأطفال من قلة الحيلة، وأخدت بنتين نيرمين في إيدي وطلعت جري على مستشفى الزقازيق العام. طول الطريق والبنات بيعيطوا وأنا قلبي بيتعصر، بفتكر كلمتها: “وريني بقى هتعملي إيه”.. كأن ربنا حطني في الاختبار في نفس اللحظة عشان يربيني ويعرفني قيمتها وقيمة أهلي.
وصلت المستشفى، ولقيت نيرمين في الطوارئ، دماجها متجبسة وإيدها مكسورة، بس الحمد لله كانت واعية. أول ما شافتني وشافت بناتها، دموعها نزلت، وأنا من غير ما أحس رميت نفسي في حضنها وبكيت: “سامحيني يا نيرمين.. أنا آسفة، حقك عليا”.
نيرمين بصت لي بتعب وقالت بصوت مجهد: “أنا نسيت التليفون.. وعصام كلمني على تليفون السواق قبل الحادثة بدقيقة، وقالي الشغلانة بتاعته في دبي باظت، والشركة صفت وأعطت لهم مهلة أسبوع يغادروا البلد، وعصام راجع مصر نهائي.. السفر اتلغى يا نادية، بس مش بالطريقة اللي كنتِ عاوزاها.. اتلغى وخراب البيوت جه علينا كلنا”.
قعدت على الأرض في طرقة المستشفى مش قادرة أقف على رجلي. عصام راجع؟ راجع مديون وولا حيلته حاجة بعد سنتين غربة؟ ونيرمين عاجزة ومش هتقدر تتحرك لشهور بسبب الكسر، وأبويا وأمي ملهمش حد!
مرت الأيام صعبة، عصام رجع مصر بعد أسبوع، وش الضحكة والبهجة فارق وشه، رجع مكسور، ونيرمين رجعت البيت على كرسي متحرك مؤقتاً لحد ما رجلها وإيدها يلموا. البيت اللي كان ماشي ببركة ربنا، فجأة بقى كله مرضى ومكسورين، ومبقاش فيه حد سليم يقف على حيله غيري “أنا”! أنا “نادية” اللي مكنتش بتشيل كوباية من مكانها.
لقيت نفسي فجأة بصحى من النجمة، بدخل المطبخ، بطبخ الأكل لـ ست أفراد؛ بعمل أكل ني في ني لأبويا عشان السكر، وبأكل أمي في بقها، وبغير لنيرمين وبسندها تدخل الحمام، وبسرح لشعر البنات عشان يروحوا حضانتهم. إيدي اللي كانت ناعمة، اتجرحت من غسيل المواعين وشغل البيت، وضهري بقى بيوجعني من الشيل والحط.