حكايات زهره الربيع 3
محمود اتجنن وعروقه برزت وقرب من أحمد ومسكه من جلابيته وزعق فيه: “أنت اتجننت يا أحمد؟! تبيع شقتك لغريب؟ تبيع بيت أبوك عشان تداري خيبتك وتجيب فلوس ب الساهل؟ الشقة دي مش ملكك لوحدك، ده بيت عيلة مشاع، ومينفعش تبيع لبره من غير ما تعرض عليا!”
أحمد زق إيد محمود بكل قسوة وقال بضحكة شريرة: “أعرض عليك أنت؟ ومنين يا حسرة؟ أنت حيلتك حاجة تشتري بيها؟ أنت يا دوب بتجيب الـ ١٠٠٠ جنيه بالعافية في تلات أيام شيل طوب وهد حيل! المعلم فرج دفع كاش، وأنا أخدت المقدم وهروح دلوقتي حالا لبيت حمايا أرجع مراتي وابني، وأقولهم أحمد بقى معاه قرشين في جيبه ومبقاش مستني لقمة من حد!”
المعلم فرج اتدخل بصوته الأجش وقال: “جرى إيه يا رجالة؟ وسعوا كده وخلينا نشوف شغلنا.. يلا يا رجالة اطلعوا الدور التاني قيسوا الشقة واكتبوا المقاسات عشان نعمل العقد النهائي، واليومين الجيين المستأجرين الجداد هيجوا يستلموا.”
البيت كله اتقلب مناحة.. حماتي بتبكي وتصرخ من قهرتها على بيتها وعيالها اللي بيضيعوا، ومحمود واقف عاجز ودموعه في عينه وهو شايف بيت أبوه بيدخله غريب وهيشاركهم في السكن والسلم والحيطة بالحيطة.. وأحمد واقف مستمتع بمنظر كسرنا وهو بيعد الفلوس اللي في إيده وبيمشي بره البيت بكل برود رايح يجيب مراته.
الكل كان فاكر إننا اتهزمنا، وإن اللعبة خسرناها، وأحمد كسر كلامي وكلام محمود.. وحماتي بصتلي بعين كلها لوم وغل وهي بتقول وسط دموعها: “ارتحتي يا هدى؟ أهي شطارتك وقسوتك خربت البيت والراجل باع ورثه وهيجيب غريب يقعد على قلبنا!”
في اللحظة دي، وسط كل الانهيار ده، أنا مكنتش بعيط ولا كنت خايفة.. أنا كنت باصة للمعلم فرج وهو بيمشي رجالته، وابتسامة تانية خالص، ابتسامة تخوف، اترسمت على وشي.. قربت من محمود وهمست في ودنه بكلمتين خلوه يبرق عينه ويبصلي بذهول، وعرفت إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ، والخطوة اللي جاية مش هترجع أحمد لصحابه بس، دي هتخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه…
الكلمتين اللي همست بيهم في ودن محمود خلوه يتسمر في مكانه والدموع تجمد في عينه، وبصلي بذهول وهو مش مصدق إن عقلي يقدر يربط الخيوط دي كلها في ثانية واحدة. قولتله بنبرة واثقة وهادية: “امسح دموعك يا أبو البنات واجمد كده.. بيت أبوك مش هيتدخله غريب، والمعلم فرج ده بالذات هو اللي هيرجع الشقة ويطرد أحمد وشيماء برا البيت ده كله وبقانون الله والبلد!”
محمود مسك إيدي وقال بصوت واطي ومخضوض: “أنتي بتقولي إيه يا هدى؟ الراجل معاه رجالة ودافع فلوس مقدم، وأحمد معاه حق البيع في نصيبه!”