خرج أخو زوجي "عبده" من الشقة وعلامات الغضب الأعمى ترتسم على وجهه، ممسكًا بالهاتف المجهول ومصممًا على كشف الرمز السري، بينما ركضت سامية خلفه وهي تصرخ وتتوسل إليه أن يستمع إليها، لكنه دفعها بعيدًا وأغلق الباب خلفه بقوة زلزلت أركان البيت. ساد في الصالة هدوء ثقيل كهدوء المقابر. تفرقت العائلة بنظرات تملؤها الصدمة والخزي، ولم يتبقَ في المكان سوى حماتي، وزوجي، وأنا. كانت حماتي تجلس على الكرسي الواجه للسفرة، واضعة يدها على رأسها وهي تمتم بحسرة: "يا فضيحتنا وسط الناس.. يا ترى مخبية إيه تاني يا سامية؟" التفت إليّ زوجي، وعيناه تحملان خليطًا من الأسف والغضب مما حدث. أمسك بيدي وقال بنبرة حازمة: "الحق ظهر يا بنت الناس، وأنا مستحيل أقعدك في مكان اتهانتي فيه. يلا بينا على شقتنا، والكلاب تصفّي حساباتها مع بعضها." أومأت برأسي، وخرجنا وسط صمت حماتي التي لم تقوَّ على النظر في عيني من شدة الخجل. عدنا إلى شقتنا، لكن عقلي لم يهدأ. الفكرة كانت تأكل رأسي وتكاد تجيب لي الجنون. جلست على طرف السرير، ونظرت إلى زوجي وقلت بصوت مخنوق: "أنا فرحانة إن ربنا نصرني.. بس في حاجة هتموتني من التفكير يا أحمد. الرجل ده لما رد في البلكونة ونطق اسمي أنا، نطق اسمي بالكامل وبكل ثقة.. لو هو بيكلم سامية، ليه عارف اسمي؟ وليه كان مستني مكالمة مني؟" عقد أحمد حاجبيه، وبدت عليه الحيرة هو الآخر، وقال: "مش عارف يا فوزية.. الموضوع ده مش مريحني. بس تفتكري سامية ممكن تكون بتعمل كده عشان تلبسك تهمة وتخلص منك؟ أنتِ عارفة إنها بتغير منك ومن حب أمي ليكي من يوم ما دخلتي البيت." قلت له بنبرة متوجسة: "الغيرة تخليها تخبث، تخليها تضايقني.. بس توصل لدرجة إنها تجيب خط وتتفق مع راجل غريب، ولما جوزها يكبس عليها ترمي التلفون في إيدي؟ دي مرتبة كل حاجة بالثانية! دي كانت مستنياني أدخل البلكونة!" قاطع تفكيرنا صوت رنين هاتف أحمد. نظر إلى الشاشة فوجده أخاه عبده. فتح الخط بسرعة ووضعه على مكبر الصوت. جاء صوت عبده متهدجًا، مكسورًا، ومليئًا بالأنقاض: "أحمد.. أنا فتحت التلفون." حبسنا أنفاسنا، وسأله أحمد بلهفة: "وعرفت إيه يا عبده؟ مين اللي كان بيكلمها؟" رد عبده بصوت يرتجف من القهر: "الكارثة مش في اللي بيكلمها يا أحمد.. الكارثة في اللي لقيته على التلفون. سامية مش بس بتخوني.. سامية كانت بتخطط لمصيبة تانية تخص مرتك فوزية! الرسائل اللي بينهم ماليانة كلام يرعّب!" وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة، وشعرت بركبتي لم تعد تحملاني. نظرت إلى أحمد الذي تغيرت ملامحه تمامًا وتحولت إلى لوحة من الذهول الشديد. سأله أحمد بصوت جهوري: "رسائل إيه يا عبده؟ انطق في إيه؟" جاء صوت عبده وهو يلهث: "الراجل ده يبقى..." وقبل أن ينطق بالاسم، سمعنا صوت صراخ شديد يأتي من خلف عبده في الهاتف، وصوت ارتطام قوي، ثم انقطع الخط فجأة! تحول البيت عندنا إلى ساحة من الرعب. حاولت الاتصال بعبده مجددًا لكن هاتفه أصبح خارج الخدمة. يا ترى عبده لقى إيه في الرسائل؟ ومين الراجل ده اللي مخطط مع سامية ضد فوزية؟ وإيه الصراخ اللي انقفل عليه الخط؟ حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ساد الرعب في شقتنا بعد انقطاع الخط المفاجئ مع عبده. نظر إليّ أحمد وعيناه متسعتان من القلق، وظل يحاول الاتصال بأخيه مرارًا وتكرارًا، لكن الهاتف كان يعطي دائمًا نفس النتيجة الثقيلة على السمع: "هذا الهاتف مغلق أو خارج نطاق الخدمة". لم يحتمل أحمد الانتظار. التقط مفاتيح سيارته وقال بلهفة: "أنا مش هقعد هنا والخط يقفل على صراخ عبده بالشكل ده.. أنا نازل ورايح له المكان اللي قال لي إنه رايح فيه عند صاحبه بتاع المحل." امسكت بذراعه برعب وقلت له والدموع في عيني: "أنا جاية معاك يا أحمد.. مش هقدر أقعد هنا لوحدي وعقلي عمال يودي ويجيب.. أنا لازم أعرف سامية كانت بتخطط لإيه ومين الراجل ده!" بالفعل، نزلنا مسرعين واستقلينا السيارة. كانت شوارع منطقتنا الشعبية هادئة نسبيًا في هذا الوقت المتأخر، لكن ضربات قلبي كانت تدق ك الطبول. وصلنا إلى محل "البرمجيات وصيانة الهواتف" الذي يمتلكه صديق عبده. وبمجرد أن أوقف أحمد السيارة، رأينا تجمعًا من الناس أمام المحل، وسيارات الشرطة تقف في المكان وأصوات السرينة تملأ الأجواء! نزلت من السيارة وجسدي كله يرتجف. دفع أحمد الناس بيده ليمر وسط التجمهر، ولحقت به وأنا أكاد أسقط. هناك، رأينا عبده جالسًا على الرصيف، ووجهه ملطخ بالدماء، وملابسه ممزقة، وصديقه يحاول تهدئته ويمسح جروحه. أما الهاتف المجهول.. فقد كان ملقى على الأرض مهشمًا تمامًا ومحطمًا إلى أجزاء صغيرة كأن سيارة مرت فوقه! اندفع أحمد نحو أخيه وجثا على ركبتيه أمامه صائحًا: "عبده! إيه اللي حصل؟ ومين عمل فيك كده؟ والتلفون اتكسر إزاي؟" رفع عبده رأسه ببطء، وكانت عيناه حمراوين كالدّم، ونظر إليّ بنظرة اعتذار وانكسار لم أرها فيه من قبل، ثم قال بصوت متحشرج: "لحقونا يا أحمد.. أول ما فتحت التلفون وشوفت الرسائل، في اتنين لعيبة نزلوا من عربية بڤاميه (زجاج داكن)، وهجموا عليا جوه المحل.. ضربوني وخدوا التلفون ورزعوه في الأرض ميت حتة وداسوا عليه بالعربية وهم بيجروا!" أحمد ضرب كفًا بكف وقال بغضب عارم: "يعني إيه؟ يعني السر ضاع؟ طب انطق يا عبده.. قبل ما التلفون يتكسر، أنت قولت لي إن الراجل ده يبقى... يبقى مين؟ والرسائل كان فيها إيه عن فوزية؟" تنفس عبده بصعوبة، ونظر حوله ليتأكد أن رجال الشرطة مشغولون بمعاينة المحل، ثم خفض صوته وقال وعيناه معلقتان بي: "الراجل اللي سامية كانت بتكلمه وبتخطط معاه.. يبقى 'مدحت'.. طليقك يا فوزية!" نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة التي شلت حركتي تمامًا. مدحت؟! طليقي الذي انفصلت عنه منذ سنوات بعد عذاب طويل، والمنقطع أخبارُه تمامًا؟ ما علاقته بسامية؟ وكيف وصلا لبعضهما؟ تابع عبده كلامه بصوت يرتجف: "أنا قريت سطرين اتنين قبل ما يهجموا عليا.. سامية كانت بعتاله بتقوله: 'كل حاجة جاهزة، وفوزية هتدخل البلكونة بالتلفون في الوقت اللي عبده هيدخل فيه البيت.. عشان أحمد يطلقها وتخلالكم السكة!'.. وهو كان رادد عليها كاتب: 'عفارم عليكي يا سامية.. وبكده فوزية هترجعلي مكسورة العين وملهاش ملجأ غيري!'." وضعت يدي على فمي وأنا أستمع إلى المؤامرة الدنيئة التي كانت تُطبخ لي في الخفاء. سامية لم تكن تداري على خيانتها فقط، بل كانت تنفذ خطة شيطانية بالاتفاق مع طليقي لتدمير بيتي وبث الشك في قلب زوجي حتى يطلقني! التفتُّ إلى أحمد، ورأيت الغضب في عينيه قد وصل لمرحلة لا يمكن السيطرة عليها. عروق جبهته برزت، وتشنجت أصابعه وهو يستوعب حجم اللعبة التي كادت تفرّق بيننا. وفجأة، وقبل أن ننطق بكلمة، رن هاتف عبده المكسور الشاشة والذي كان في جيبه. أخرجه ببطء ونظر إلى الرقم المكتوب.. لم يكن رقم مدحت، بل كان رقمًا غريبًا آخر. أشار أحمد لأخيه أن يفتح الخط ويضعه على الاسبيكر. فتح عبده الخط، فجاء صوت أنثوي حاد، مليء بالغل والشماتة، ولم يكن صوت سامية أبدًا.. بل كان صوتًا نعرفه جميعًا في العائلة جيدًا! قالت صاحبة الصوت بنبرة ساخرة: "أعلى ما في خيلكم اركبوه.. التلفون واتكسر، والرجالة قاموا بالواجب، ومحدش فيكم هيقدر يثبت حاجة على سامية.. والمرة دي فلتت منكم فوزية، بس المرة الجاية نهايتها هتبقى على إيديا أنا!" تجمدت الدماء في عروقنا جميعًا.. الصوت لم يكن غريبًا، بل كان لشخصية تعيش معنا وتأكل معنا في نفس البيت وتدّعي الحب! يا ترى مين صاحب الصوت ده اللي بيقود المؤامرة مع سامية وطليقي؟ وإيه الخطوة الجاية اللي هيعملها أحمد بعد ما عرف الحقيقة؟ تابعوا معايا الجزء الخامس عشان نعرف باقي التفاصيل المثيرة!