حكايات سلفى ل رومانى مكرم

صوت السرينة كان بيقرب، وكريم اتجمد مكانه. الحقنة كانت على بعد سنتيمترات من رقبتي. ملامحه اتحولت من الهدوء المرعب لذهول تام، كأنه مكنش مصدق إن مملكته السرية ممكن تتهد في لحظة.
كريم همس بغل
مين اللي دلهم؟ مفيش حد يعرف المكان ده غيري أنا وأمي!
وفجأة، الباب الحديدي بتاع السرداب اتفتح بقوة، بس اللي دخل مكنش البوليس.. كانت حماتي!
كانت بتنهج، ووشها غرقان مية من المطر، وماسكة في إيدها تليفون كريم القديم. بصت لابنها بنظرة وجع وقالت
أنا اللي بلغت يا كريم.. كفاية لحد كده. أنا سكت على تعذيبك لحسام وقولت حقك ون .ار بتطفيها، وسكت على حبسك لنور وقولت حبك هيصحيها.. لكن توصل إنك تق .تل روح بريئة عشان تعيش ج .ثه؟ لا يا ابني.. لحد هنا والشر لازم يقف.
كريم صرخ فيها
إنتي بتخونيني يا أمي؟ بتخوني ابنك عشان خاطر الخاين اللي تحت؟
حماتي ردت بدموع
أنا بحميك من نفسك! البوليس بره.. اهرب من الباب الخلفي يا كريم، اهرب وسيب البنت دي في حالها.
كريم بصلي نظرة أخيرة، نظرة كانت خليط بين الحب المرضي والكره، وفجأة زقني بعيد ورمى الحقنة من إيده وجري ناحية ممر ضيق في آخر السرداب. حماتي جريت عليا وح .ضنتني وهي بتترعش
سامحيني يا بنتي.. كان لازم

أحميكي من الأول، بس الخوف من كريم كان لجم لساني.
البوليس اقتحم المكان، والإسعاف دخلت بسرعة عشان تتعامل مع حالة نور اللي كانت بين الحياة والم .وت. وأنا كنت واقفة مشلولة، مش قادرة أستوعب إن حياتي كلها كانت مبنية على بديلة لج .ثه هامدة.
لما رجعنا البيت مع البوليس، كانت المفاجأة الأكبر في انتظارنا.
أوضة حسام كانت مفتوحة.. والسرير فاضي!
حسام المشلول، اللي بقاله ٣ سنين مبيتحركش من مكانه، مكنش موجود. وعلى السرير كانت فيه ورقة مكتوبة بخط إيد مهزوز بس واضح
كريم مكنش بيعذبني عشان نور وبس يا هناء.. كريم كان بيعذبني عشان أنا الشاهد الوحيد على الورق اللي هو زوره عشان يسـ,ـرق ورث أبويا ويهربه بره مصر. أنا مكنتش مشلول طول الوقت.. أنا كنت بمثل العجز عشان يطمن ويخليني عايش، وعشان أقدر أراقب تحركاته وأعرف مكان نور.. النهاردة اللعبة انتهت، والحساب الحقيقي هيبدأ.
في نفس اللحظة، تليفوني رن برقم غريب. فتحت الخط وأنا بترعش، جالي صوت حسام، بس المرة دي صوته كان قوي، مفيش فيه أي بحة عجز
متبكيش يا هناء.. إنتي كنتي الوحيدة اللي عاملتيني كإنسان في البيت ده. كريم مش هيلحق يهرب.. أنا بلغت عن طريقه والموانئ كلها مقفولة في وشّه. بس خلي بالك. . كريم مش هيستسلم بسهولة، والسر اللي في السرداب مكنش كل حاجة..
قلت له بصوت متقطع يعني إيه؟ فيه إيه تاني يا حسام؟
رد حسام بجملة وقعت عليا كأنها صاعقة
نور اللي شوفتيها في السرداب.. مكنتش نور يا هناء. نور الحقيقية ماتت من يوم الح .ادثة فعلاً.. اللي شوفتيها دي تبقى..
وفجأة الخط قطع، وصوت خبط رزعة قوية جت من المطبخ.. بصيت ورايا لقيت كريم واقف، هدومه غرقانة دم، وماسك في إيده مفتاح البيت بتاعي!
وقفت مكاني متجمدة، المطبخ اللي كان رمز للأمان بقى ساحة رعب. كريم كان واقف قدامي، منظره ميقولش إنه بني آدم، شعره منكوش وهدومه متقطعة، والدم اللي على هدومه مكنش باين ده دمه ولا دم حد تاني.
بص لي وضحك ضحكة هادية، أهدى من اللازم، وقال بصوت واطي
فاكرة إن حسام هينقذك؟ حسام طول عمره بيعرف يهرب.. لكن أنا، أنا مبيهربش مني حاجة ملكي. والورقة اللي سابها دي كانت الفخ اللي أكد لي إنك بقيتي معاه ضدي.
قرب مني خطوة وهو بيلعب بمفتاح البيت في إيده، وكمل
عايزة تعرفي حسام كان هيقولك إيه قبل ما الخط يقطع؟ كان هيقولك إن البنت اللي تحت دي مش نور.. دي مريم، أختك اللي أهلك قالوا لك إنها ماتت وهي صغيرة في الح .ادثة. مريم اللي كانت أغلى من نور عند حسام، وعشان كده كان بيتعذب وهو شايفني بنقل دمها لنور كل يوم.. عشان يحافظ على وهم الحب اللي كان في دماغي.
الدنيا اسودت في عيني. أختي؟ مريم؟ الذكرى اللي أهلي دف .نوها من سنين طلعت عايشة وتحت رحمة كريم؟
صرخت فيه بمرارة إنت شيطان! إنت عملت كل ده ليه؟
رد ببرود وهو بيقفل باب المطبخ ورانا
عملت ده عشان مفيش حد يسيبني ويمشي. مريم كانت الخطة البديلة لو نور ماتت، وإنتي كنتي الخطة البديلة لمريم.. أنا مبيضيعش مني حاجة.
في لحظة، كريم هجم عليا، مكنش عايز يق .تلني، كان عايز يسحبني معاه. بس قبل ما إيده تلمسني، باب المطبخ اتكسر بقوة.. ودخل حسام.
حسام مكنش ماشي على رجله وبس، ده كان بيتحرك بخفة حد متدرب. مسك كريم من رقبته وزقه بعيد عني، وبدأ صراع بين الأخين.. صراع كان محبوس فيه غل سنين.
حسام وهو بيض .رب كريم قاله
الورث ميهمنيش يا كريم.. مريم هي اللي تهمني. أنا مثلت الشلل والذل عشان أفضل جنبها، عشان أحميها من حقنك وسمومك.. والنهاردة أنا اللي هنهي حكايتك.
كريم طلع مطواة من جيبه وغرسها في كتف حسام، حسام متوجعش، كأنه مابقاش يحس بالألم، وفضل ضاغط على رقبة كريم لحد ما وشه بدأ يزرق.
أنا كنت واقفة في النص، مش عارفة أساعد مين ولا أهرب فين. وفجأة، لمحت خيال في الصالة.. حماتي
كانت واقفة ومعاها جالون بنزين.
بصت لي بعيون ميتة وقالت
البيت ده لازم يتطهر يا هناء. الشر اللي زرعته هنا لازم يتحرق.. اطلعي بره.
وبدأت تدلق البنزين في كل حتة، على السجاد، على الستاير، وعلى الأخين اللي بيخلصوا على بعض في الأرض.
حسام صرخ فيا اجري يا هناء! مريم في العربية بره مع الإسعاف.. اجري وعيشي حياتك!
جريت وأنا سامعة صوت عود الكبريت وهو بيولع.. وصوت ضحكة كريم المرعبة وهي بتختلط بصراخ حماتي.
طلعت الشارع، المطر كان لسه بينزل، وشفت عربية الإسعاف فعلاً واقفة بعيد. جريت عليها وفتحت الباب، وشفت بنت وشها شاحب جداً بس ملامحها هي ملامحي.. مريم.
بصت لي بضعف وابتسمت وقالت كلمة واحدة
هناء..
وقبل ما أرد عليها، انفجار هز المنطقة كلها.. بيت كريم بقى كتلة ن .ار وسحاب أسود مالي السما.
وقفت وأنا ماسكة إيد مريم، وببص للن .ار وهي بتاكل كل الأسرار والجروح.. بس فجأة، لمحت خيال حد خارج من وسط الدخان من الباب الخلفي للبيت.. حد طويل، وماشي بخطوات ثابتة، ومستني اللحظة اللي الدنيا تضلم فيها أكتر عشان يختفي.
هل ده حسام؟ ولا كريم قدر يهرب؟
الخيال اللي كان خارج من الدخان مكنش مجرد شخص هربان، ده كان كاب .وس جديد بيبدأ. الشخص ده وقف بعيد، تحت عمود نور مطفي، وبص ناحية عربية الإسعاف اللي أنا فيها. المطر غسل الرماد اللي على وشه، ولثانية واحدة شفت ملامحه.. كان حسام.
بس مكنش حسام اللي أعرفه. مكنش الشخص اللي دافع عني في المطبخ. كانت ملامحه باردة، خالية من أي وجع أو شفقة، وكأنه ساب إنسانيته جوه الن .ار مع أخوه وأمه. شاور لي بإيده إشارة غريبة، كأنه بيودعني، واختفى في وسط البيوت الضلمة.
عدى أسبوع على الح .ادثة. القاهرة كانت لسه بتتكلم عن بيت الرعب اللي ولع في نص الليل. مريم كانت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن حالتها صعبة بس مستقرة، السموم اللي كريم كان بيحقنها بيها كانت بتدمر أعصابها بالراحة، بس هي كانت أقوى منه.. كانت بتتمسك بالحياة عشان شافتني.
أنا كنت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها، لما دخل عليّ ضابط المباحث اللي ماسك القضية. وشه كان عليه علامات الحيرة.
قالي بهدوء مدام هناء.. إحنا لقينا جثـ,ـتين في البيت. ج .ثه الست الكبيرة حماتك، وج .ثه تانية متفحمة تماماً في المطبخ، التحاليل أكدت إنها ل كريم.
سألته برعشة وحسام؟
الضابط سكت شوية وبعدين طلع كيس بلاستيك فيه سلسلة مكسورة لقينا دي جنب ج .ثه كريم، بس ملقيناش أي أثر لحسام. التحقيقات بتقول إن حسام كان مخطط لكل ده من سنين. الورق اللي هو قاله لك عليه، ورق الورث.. اكتشفنا إنه مكنش باسم كريم، ده كان متزور باسم حسام من الأول!
وقعت من طولي. يعني إيه؟ يعني حسام هو اللي كان مسيطر؟
الضابط كمل حسام مكنش ضحية يا مدام هناء.. حسام وكريم كانوا في حـ,ـرب على مريم وعلى فلوس أبوهم. كريم كان عايز مريم عشان الهوس وشبهها ب نور، أما حسام.. فكان عايز مريم عشان هي الوحيدة اللي عارفة الرقم السري لحسابات أبوهم اللي في سويسرا، لأن مريم كانت السكرتيرة الخاصة بتاعة أبوهم قبل ما يختفي.
بدأت الدنيا تدور بيا.. يعني أنا كنت مجرد طعم في لعبة بين أخين، واحد مريض نفسي والتاني شيطان بوش ملاك؟
بصيت لمريم وهي نايمة، حسيت بالخوف. هل مريم فعلاً بريئة؟ ولا هي كمان جزء من اللعبة؟
فجأة، مريم فتحت عينيها ببطء. بصت لي ونطقت بصوت واطي جداً
هناء.. حسام جه هنا.
قلبي دق بعن .ف إمتى؟ وازاي؟
قالت وهي بتعيط جه في حلمي.. وقالي إن الأمانة لسه معاه، وإنك لازم تدوري في شنطة القميص اللي كنت بحمّيه فيه أول يوم.. القميص اللي كريم حرق نص البيت عشان يلاقيه.
افتكرت القميص.. أنا مكنتش رميته، أنا كنت حطاه في غسالة الهدوم في اليوم المشؤوم ده، والغسالة كانت في المنور بعيد عن الن .ار!
جريت على البيت المهدم. المنور كان لسه سليم رغم الرماد. فتحت الغسالة القديمة، وطلعت القميص المبلول.. وبدأت أدور في الجيوب.
لقيت فلاشة صغيرة جداً، متغلفة ببلاستيك عشان المية.
وصلتها بالموبايل بتاعي وأنا بترعش.
ظهر فيديو.. متصور بكاميرا خفية في أوضة حسام.
في الفيديو، شفت كريم وهو بيبكي قدام حسام المشلول وبيقوله أنا تعبت يا حسام.. خلينا نرجع مريم لأختها ونخلص، أنا مش قادر أكمل في اللي إنت بتطلبه مني!
وحسام، المشلول، قام وقف على رجله بكل برود، وض .رب كريم بالقلم وقال له إنت هتكمل يا كريم.. هتكمل لحد ما هناء تثق فيك تماماً، ولحد ما مريم تنطق بمكان الفلوس. إنت مجرد الواجهة اللي الناس بتكرهها.. وأنا الضحية اللي الكل بيعطف عليها. كمل تمثيلك يا أخويا.. عشان النهاية قربت.
الفيديو خلص.. وأنا حسيت إن روحي بتتسحب مني.
حسام هو اللي كان بيدير كريم! هو اللي كان بيخليه يعذبه قدامي عشان أنا أصعب عليه وأساعده!
وفي اللحظة دي، حسيت بنفس حار ورا ودني.. وصوت همس أعرفه كويس
شوفتي يا هناء؟ الحكاية دايماً ليها وشين.. وإنتي اختارتي تصدقي الوش اللي بيعيط.
لفيت ببطء.. وكان حسام واقف ورايا، بس المرة دي لابس بدلة غالية جداً، وشايل في إيده شنطة سفر.
دلوقتي يا هناء.. قدامك اختيار واحد. تاخدي مريم ونمشي من هنا للأبد، ونعيش بالفلوس اللي كريم دفع عمره تمن ليها.. يا إما

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *