حملت وانا في الصف الأول الثانوي
دخل مازن ببطء.
كان مختلف تمامًا عن الولد المغرور اللي كانت البنات تجرى وراه في المدرسة. وشه مرهق، هدومه بسيطة، وعينيه مليانة هزيمة.
أول ما شاف يوسف نايم، دموعه لمعت.
همس: — ده… ابني؟
ولاء ردت ببرود: — لا. ده ابني أنا.
ارتجف صوته: — حتى بعد كل السنين… مش قادرة تسامحيني؟
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة: — أسامحك؟ إنت دفنتني وأنا عايشة يا مازن. كنت بخاف أمشي في الشارع. كنت بشوف نظرات الناس كأنهم بيحاكموني كل يوم. وأنا عندي ١٥ سنة… كنت بصحى مرعوبة وأسأل نفسي: هو أنا فعلًا وحشة زي ما بيقولوا؟
نزل رأسه بعجز: — كنت جبان.
— لأ… كنت أناني. الجبان بيهرب. إنت هربت ورميتني تحت القطر.
سكت للحظات، ثم مد إيده بورقة مطوية: — دي نتيجة تحليل DNA. أنا رفعت ق*ضية إثبات نسب من غير ما تعرفي… والنتيجة أكدت إنه ابني. أنا مستعد أتحمل مسؤوليتي كاملة.
ولاء ما بصتش حتى للورقة.
قالت بهدوء قاتل: — المسؤولية مش فلوس ولا اسم يتحط في شهادة ميلاد بعد خمس سنين. المسؤولية إنك وقت ما كنت طفلة مرعوبة… كنت تفضل واقف جنبي.
رفع عينيه لها بيأس: — أرجوكي… بس اسمحيلي أشوفه أوقات.
وقبل ما ترد…
يوسف فتح عينيه بنعاس. بص لمازن باستغراب، وبعدين جري على ولاء: — ماما… مين ده؟
حضنته ولاء بقوة.
مازن ركع قدامه بسرعة ودموعه بتنزل: — أنا…
لكن الكلمات خانته.
يوسف بصله بخوف واستخبى في حضن أمه أكتر: — هو الراجل ده بيعيط ليه؟
في اللحظة دي، فهم مازن الحقيقة اللي ق/تلته من جواه:
الطفل مايعرفوش. مافيش بينه وبينه أي رابط. لا ذكرى. لا حضن. لا أمان.
مجرد غريب.
ولاء قامت، شايلة يوسف بين إيديها، وقالت بصوت ثابت: — ابني عرف معنى الأمان من غير أب. فمتحاولش دلوقتي تعلمه معنى الخذلان.
اتجمد مازن مكانه.
لكن قبل ما تخرج، وقفت لحظة وقالت من غير ما تبصله: — وأنا فعلًا سامحتك يا مازن… عشان الكره عبء تقيل. بس المسامحة مش معناها إنك ترجع لنفس المكان اللي كسرتني فيه.
خرجت من المكتب بخطوات هادية.
يوسف كان حاطط راسه على كتفها بأمان، بينما صوت بكاء مازن الخافت فضل وراها في المكتب الفاضي.
أما ولاء…
فلأول مرة منذ خمس سنين، حست إن الباب القديم اتقفل أخيرًا.