حملت وانا في الصف الأول الثانوي
حملتُ وأنا في الصف الأول الثانوي، وأخذتني أمي من يدي إلى المدرسة لتجعلني عبرة، وليراني الجميع وأنا أسقط…
لكن عندما أنكر والد الطفل معرفته بي من الأساس، بدأت المظروف الذي تمسكه مديرة المدرسة يرتجف بين يديها. كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، أرتدي مريول المدرسة الكحلي، وحذاءً مستهلكاً، وأخفي اختبار الحمل الإيجابي بعناية داخل كشكول الرياضيات. عثرتُ عليه في السادسة صباحاً، قبل أن تصرخ أمي معلنةً أننا تأخرنا. في ذلك اليوم لم يتذوق فمي طعام الإفطار.. في ذلك اليوم، ودّعتُ طفولتي إلى الأبد.
في المدرسة، كانت سيرتي على كل لسان قبل أن أفتح فمي بكلمة واحدة.
— “بصوا.. البنت الحامل أهيه”.
— “يا عيني على أهلها.. غلابة”.
— “تلاقيها حتى مش عارفة مين أبوه”.
كنت أمشي وأنا أضم حقيبتي المدرسية إلى صدري بكل قوتي، وكأنني بهذا أحجب السر الذي ينمو بداخل أحشائي.
لكن والد الطفل كان له اسم..
كان اسمه مازن.
ابن صاحب شركة مقاولات كبرى.
كابتن فريق كرة القدم بالمدرسة.
الفتى الذي كان يغرقني بكلمات الحب عبر “الواتساب”، ويعاملني كـ “زميلة دراسة” في الممرات أمام الناس.
أول مرة أخبرته فيها بأنني حامل، شحب وجهه كالموتى.
لم يحتضنني.
لم يسألني إن كنت خائفة.
كل ما فعله أنه التفت حوله بذعر، ثم سحبني وراء “كانتين” المدرسة.
— “امسحي كل حاجة!”.. همس بفزع.
— “كل حاجة إيه؟”
— “الرسائل.. الصور.. المحادثات.. كل حاجة!”
شعرت بغصة خنقت حنجرتي:
— “مازن.. ده ابنك”.
تغيرت ملامحه تماماً في تلك اللحظة.. لم يعد ذلك الشاب اللطيف الذي كان يشتري لي الحلوى بعد انتهاء الدروس. تحول إلى شخص آخر.. بارد.. ومستزلِم.
— “إياكي تنطقي الكلام ده بصوت عالي تاني”.
في ذلك المساء، زارتنا والدته في البيت.. السيدة رانيا.
حذاء ذو كعب عالٍ وثمين.. حقيبة من أشهر الماركات العالمية.. وعطر نفاذ يملأ الأركان. استقبلتها أمي وهي تظن أنها جاءت لتتحدث بعقلانية كشخص ناضج.. لكنها أخطأت تماماً.
وضعت السيدة رانيا مظروفاً أصفر كبيراً على الطاولة وقالت بفوقية:
— “دول خمسين ألف جنيه.. عشان بنتك تغير المدرسة، وتبطل تأليف حكايات”.
أمي لم تمد يدها نحو المظروف.. لكن أبي فعل.
لم يأخذه.. بل أطاح به على الأرض بكل قوته وهو يصيح:
— “بنتي مش للبيع!”
في تلك اللحظة تمنيت أن أبكي من فرط الراحة والامتنان لأبي. لكن السيدة رانيا ابتسمت بسخرية وقالت:
— “إذن استعدوا للقادم.. لأن ابني لن يتحمل مسؤولية فتاة بلا مستقبل”.
بلا مستقبل.. هكذا وصفتني!
وكأن طفلي أصبح وصمة عار، وكأن أحشائي تحمل فضيحة عامة وليست روحاً ونفساً حية.
في الصباح التالي، ساد الصمت طاولة الإفطار، ولم ينطق أبي بكلمة. كانت أمي تمشط لي شعري بقسوة وشدة غير معتادة من فرط توترها. وعندما وصلنا إلى المدرسة، فهمت سبب كل هذا.
كان هناك اجتماع عاجل..
المديرة.. الأخصائية الاجتماعية.. والدة مازن.. والداي..
وكان مازن يجلس في زاوية الغرفة، بزيه المدرسي المهندم وعينين جافتين لا تلمح فيهما أي أثر للندم.
دخلتُ وجسدي ينتفض رعباً.
قالت لي مديرة المدرسة بنبرة جافة:
— “اتفضلي اقعدي يا ولاء”.
لم أجلس.. لم تكن قواي تسعفني على الوقوف فما بالك بالجلوس.
بادرت والدة مازن، السيدة رانيا، بالحديث قائلة:
— “ابني بيتعرض لاتهام باطل. البنت دي عايزة تدمر سمعته وتتبلى عليه لمجرد إنه رفض يرتبط بيها”.
ضغطت أمي على يدي بقوة وقالت:
— “الكلام ده مش حقيقي!”
هنا رفع مازن رأسه، ونظر إليّ بنظرة دمرتني تماماً دون أن يلمسني، وقال:
— “أنا عمري ما كان بيني وبينها حاجة”.
ساد الصمت أرجاء الغرفة، وشعرت في تلك اللحظة كأن الأرض تنشق تحت قدميّ.
همست بنبرة مكسورة:
— “مازن…”
قاطعني وهو يتصنع الاشمئزاز والنفور:
— “متكلمينيش بالشكل ده.. إحنا يدوب زمايل في الفصل مش أكتر”.
انتفض والدي من مكانه وقال بغضب:
— “بص في عين بنتي وكرر الكلام ده تاني!”
وفعلها مازن.. نظر في عيني مباشرة وقال بلا رحمة:
— “اللي في بطنها ده مش ابني”.
في تلك اللحظة، انكسر شيء ما بداخلي.. لم يكن قلبي، بل كانت تلك المساحة الساذجة في روحي التي كانت تظن أن للناس السيئين حدوداً لا يتخطونها.
خفضت المديرة رأسها وهي تتطلع إلى ملف أحمر كان أمامها. لم أكن أعلم ما بداخله، لكن السيدة رانيا بدا وكأنها علمت، لأن ابتسامتها المتغطرسة اختفت فجأة.
وقالت السيدة رانيا بلهجة حاولت إخفاء توترها:
— “يا سيادة المديرة، أعتقد إن الأمور دي المفروض متدخلش في شؤون المدرسة”.
فردت المديرة بحزم:
— “يا مدام رانيا، الموضوع بقا شأن يخص المدرسة من اللحظة اللي حضرتك حاولتي فيها تضغطي على طفلة قاصر جوه المؤسسة دي”.
تصلب جسد السيدة رانيا، وابتلع مازن ريقه بصعوبة، بينما نظرت إليّ أمي في حيرة، ولم أكن أنا الأخرى أفهم ما يدور.
فتحت المديرة الملف الأحمر، وكان مليئاً بأوراق مطبوعة.. لقطات شاشة (سكرين شوتس)، تواريخ، رسائل، وصور.
بدأت دقات قلبي تطرق صدري بعنف.
نظرت إليّ المديرة وقالت بنبرة هادئة:
— “ولاء.. في حد ساب الملف ده تحت باب مكتبي امبارح بالليل”.
سألتها بذهول:
— “مين؟”
لم تجبني المديرة، بل أخرجت “فلاشة” (ذاكرة USB)، ثم أخرجت ورقة مطوية وقالت:
— “قبل ما ناخد أي قرار بخصوص استمرارك في المدرسة دي، الكل هنا لازم يسمع حاجة…”