انتقام بارد بقلمى امانى سيد٢

مرت السنتين ورا السنتين، والحياة دارت دورتها العادلة جداً. الخلع تم، وإيصالات الأمانة وتمن التوضيبات دفّعوا سعيد التمن غالي من سمعته وصحته وهو بيلف على المحاكم عشان يسدد قرش بقرش، لحد ما أخباره انقطعت تماماً عني وعن المنطقة كلها.
في الفترة دي، أنا مكنتش قاعدة بعيط على الأطلال، أنا كنت بنجح.. بنجح في شغلي، في حياتي، وفي سلامي النفسي اللي رجع ينور وشي وبيتي من جديد. وفي وسط طريقي للنجاح ده، ظهر “يوسف”.
يوسف كان مهندس ديكور، محترم، وابن ناس، دخل حياتي في البداية عشان يعيد تصميم الشقة ويشيل منها أي أثر أو ذكرى للمرحلة القديمة. شاف فيا الست القوية، الناجحة، اللي عينيها مليانة عزة نفس، وحبني.. حبني لشخصي، لكياني، مش لفلوسي ولا لـ “شقايا”. ولما جه اتقدم وعاملي أهلي بمنتهى الأصول والتقدير، وافقت وأنا قلبي مرتاح ومطمن.
يوسف كان عارف قصتي مع الخلف، وقبل ما نكتب الكتاب مسك إيدي وقالي بمنتهى الحنية:
ـ “يا فوزية، أنا شاري إنسانة، مش شاري خطة إنجاب.. أنتِ عندي بالدنيا كلها، ولو ربنا مأردش نخلّف، أنتِ بنتي وحبيبتي وكل دنيتي.”
كلامه طمن روحي، وعشنا مع بعض سنة ونص في منتهى الهدوء والدلع الحقيقي.. الدلع اللي قايم على الاحترام والتقدير، مش التنطيط والمنظرة الكدابة.
وفي يوم.. حسيت بتعب مفاجئ، دوخة وإرهاق مكنتش فاهماهم. يوسف صمم نروح للدكتور.. الدكتور اللي كان نفس الدكتور القديم اللي قالي زمان “العيب منك”.
بعد الكشف والتحاليل، الدكتور بص في الورق وبصلي بابتسامة واسعة وذهول مالي وشه وقال:
ـ “سبحان الله يا مدام فوزية! الطب ساعات بيقف عاجز قدام إرادة ربنا.. الضغط النفسي، والكسرة، والتوتر اللي كنتِ عايشة فيهم زمان كانوا هما السد الحقيقي.. دلوقتي، مع الراحة النفسية والهدوء، جسمك رجع لطبيعته تماماً.. مبروك، أنتِ حامل في الشهر التاني!”
يوسف دموعه نزلت من الفرحة، وأنا قعدت أعيط وأضحك في نفس اللحظة.. افتكرت سعيد وجملته “العيب منك.. هتجوز عشان أخلف”، وافتكرت إن ربنا مب ينساش حد، وبيرد الاعتبار في الوقت المناسب وبالطريقة اللي تبهر العقول.
وبعد سبع شهور.. شيلت بين إيديا “يحيى”.. حتة من روحي، مالي عليا الدنيا.
وفي يوم جمعة مشمس، كنت قاعدة في الصالة.. الصالة اللي اتغيرت وبقت قمة في الشياكة والهدوء بلمسات يوسف. يوسف كان واقف بيعمل القهوة في المطبخ وهو بيغني بصوت واطي، وأنا قاعدة على الكنبة، بهز سرير يحيى وببص لوشه الملائكي وهو نايم، وبشرب قهوتي بسلام حقيقي.
فجأة، تليفوني رن برقم غريب.. رديت:
ـ “ألو.. مين معايا؟”
صوت مبحوح، تعبان، ومليان كسرة وشقا جه من الناحية التانية.. صوت عرفته علطول رغم السنين:
ـ “فوزية؟.. أنا سعيد يا فوزية.”
سكت ثانية، وبصيت ليحيى، وقولت ببرود تام:
ـ “عايز إيه يا سعيد؟”
صوته اتهز وقال بدموع مكتومة:
ـ “أنا تعبان أوي يا فوزية.. اتبهدلت، واشتغلت شغلانتين عشان أسدد اللي عليا، ومتجوزتش تاني ومخلفتش، وكل ما بروح لست تانية الموضوع بيفشل، والدكاترة قالوا لي إني سليم بس النفسية مدمرة.. أنا عايش في أوضة تحت السلم، وعرفت إنك اتجوزتي.. بس قولت يمكن قلبك يحن، يمكن تدعيلي، أنا حاسس إن ذنبك هو اللي موقف حالي ومخليني مش عارف أشوف يوم حلو.”
أخدت نفس طويل، وبصيت ليوسف وهو خارج من المطبخ وفي إيده فنجان القهوة بتاعي بيقدمهولي بابتسامة حنونة وبيمسح على راسي، وبصيت لابني يحيى اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرين.. وقولت لسعيد بنبرة هادية جداً، صافية، وخالية من أي غل، بس مليانة رعب:
ـ “ذنبك مش عندي يا سعيد.. ذنبك عند ربنا اللي كسر خاطري وكسر نفسي في بيتي.. ربنا اللي أنت استقويت بيه عليا فرماك تحت السلم.. أنا خلاص مش فاكراك بأي شر، لأن ربنا عوضني بالراجل اللي شالني في عيونه.. وبـ ‘يحيى’ ابني اللي نايم في حضني دلوقتي.. ربنا يسهلك حالك يا سعيد، بس متتصلش هنا تاني.”
وقفلت السكة.. قفلتها وأنا حاسة إن الدايرة اتقفلت تماماً.. سابع أرض اللي سعيد نزلها، مكنتش بس خسارة شقة وفلوس.. دي كانت خسارة عمر، ونفس، وكرامة.. في حين إني وقفت على رجلي، وربنا رفعني لسابع سما، ومعايا راجل بجد، وابن بيملى عليا دنيتي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *