شيك إيه يا حاج؟ اللي في إيد ابنك ده أولاً: **دعوى خُلع** أنا رافعاها عليه ومرفق معاها إنذار رسمي. وثانياً: **محضر طرد** من الشقة دي، لأن الشقة دي شقة أبويا الله يرحمه ومكتوبة باسمي بيع وشراء من قبل ما أتجوز ابنك الحافي ده بنص ساعة.. وثالثاً بقى وده الأهم: **وصل أمانة بمبلغ التوضيبات** اللي ابنك عملها في الأوضة التانية، لأن الصنايعية والمحلات أنا اللي دافعة ليهم بالفيزا بتاعتي وبإيصالات مستلمة باسمي ، وهحبسه بيها لو مدفعش تمن دهانات العروسة ومتنساش ـ بس انا كنت بردلك كل مليم دفعتيه ـ اثبت بقى لو جدع الصالة اتقلبت لمأتم، حماه وقف مذهول، وعروسته قطعت الخلف. سعيد بقا يبصلي ويبص للورق وهو بيترعش، صوته تاه وطلع بالعافية: ـ فوزية.. أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ والفلوس؟ والأرض؟! قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بمنتهى الاحتقار وقولتله: ـ الأرض دي في خيالك المريض بس يا سعيد.. كان لازم أطلعك لسابع سما عشان لما أدوس عليك وأنزل بيك لسابع أرض، عشان ماتقوملكش قومة تاني.. أنت وعروستك الفرفوشة قدامكم بالظبط نص ساعة، تلموا الهدوم اللي جيتوا بيها، وتطلعوا برة بيتي، وإلا الأمن برة مستني إشارة مني وهيطلع يرميكم بالملابس الداخلية في الشارع قدام المنطقة كلها.. يلا.. برة! سعيد وقف مكانه كأنه مضروب بالرصاص، الورق في إيده بيترعش، وعينيه رايحة جاية بيني وبين حماه اللي ملامحه اتحولت لغضب عارم. الصمت اللي حل في الصالة كان مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس سعيد المكتومة كان مسموع. حماه ضرب كف بكف، ووقف وبص لسعيد بنظرة كلهـا قرف وقال بصوت جهوري: ـ بقا ده الراجل وسيد الرجالة اللي جايب بنتي ومقعدها في شقة مراته الأولى؟ وعايش على قفاها؟ وكمان بتغفلنا وتضحك علينا وتقول شاري شقة ومجهز مشروع بملايين؟! العروسة الفرفوشة فجأة "الفرفشة" طارت من وشها، وبقت تبص لسعيد بـذهول وصدمة، ولمت فستانها وقامت وقفت جمب أبوها وهي بتعيط من الكسرة والفضيحة وسط أهلها اللي كانوا جايين يباركوا. سعيد حاول يلم اللي باقي من كرامته اللي اتبعثرت على السجادة، وقرب مني ووشه جايب ألوان، وقال بصوت واطي ومبحوح وهو بيحاول يستعطفني من تحت العَمى: ـ فوزية.. عشان خاطري بلاش الفضيحة دي قدام الناس.. نتفاهم جوة.. أنا جوزك برضه وحبيبك! ضحكت بصوت عالي، ضحكة سمّعت العمارة كلها، وقولتله بمنتهى التشفي: ـ جوزي؟ وحبيبك؟ أنت نسيت يا سعيد إنك لسه من كام يوم قايل عليا كبرت وخرفت ومبقتش بفهم؟ نسيت اللف والدوران في الصالة والدلع اللي كان على قفايا وعلى سجادي وفي بيتي؟ حبيبك ده كان زمان لما كنت فاكراك راجل بجد، مش عيِّل طماع وجعان أول ما شَم ريحة قرشين مخبيهم جرى يتنطط بيهم ويتجوز عليا! أبو العروسة مسك سعيد من ياقة بدلتـه الجديدة اللي لسه مدفعش تمنها، وهزه جامد وقال: ـ بقا بتغفلنا يا سعيد؟ بتجوز بنتي لواحد حافي مش حيلته لقمة يأكلها لها؟! بنتي مش هتقعد هنا دقيقة واحدة.. غوري لمي هدمك يا بت! العروسة جريت على الأوضة اللي كانت بتبرق بالأنوار، وبقت تلم هدومها في الشنطة بلهفة ودموعها مغرقة وشها، وأهلها واقفين في الصالة بيبصوا لسعيد وبيدعوا عليه وعلى اليوم اللي عرفوه فيه. سعيد انهار تماماً، قعد على الكنبة وحط رأسه بين إيديه، الدموع نزلت من عينيه من كتر القهر والذل، بصلي وقال: ـ طب والفلوس اللي صرفتها على الأوضة؟ دي شقا عمري والقرشين اللي حيلتي.. تضيعيهم عليا يا فوزية؟ وقفت فوق رأسه وهو قاعد مكسور، وبصيتله من فوق لتحت بمنتهى البرود والـعنجهية: ـ شقا عمرك ده تمن قلة أصلك يا سعيد.. تمن كل إهانة وجهتهالي، وكل لقمة استخسرتها فيا وفي المطبخ ورحت تجيب بيها فطار جاهز لست الحسن.. الأوضة وتوضيباتها دي هسيبها هنا، أهو أهوِّي فيها الشقة، أو أأجرها لطلبة يصرفوا عليا، وأنت تطلع برا طالع زي ما دخلت.. بشنطة هدومك القديمة! في اللحظة دي، العروسة طلعت وهي جارة الشنطة في إيدها، وأبوها سحبها من إيدها وبص لسعيد وتف في الأرض وقال: ـ ورقت بنتي توصلي الصبح يا سعيد، وإلا وقسمًا بالله هعمل بيك محضر نصب وأحبسك.. يلا غوري في داهية. خرج أهل العروسة وهما بيبرطموا ويشتموا، ووراهم أهل سعيد اللي مبقوش عارفين يودوا وشهم فين من الكسفة، ومفضلش في الصالة غير سعيد.. قاعد لوحده ببدلته، في الشقة الواسعة اللي بقت فجأة ضلمة وكئيبة في عينيه. بصيت في ساعتي وقولتله بنبرة جافة: ـ فاضل من النص ساعة عشر دقائق يا سعيد.. الأمن برة على الباب، تحب تطلع بكرامتك ولا تتجرجر قدام البواب والجيران؟ سعيد قام وهو دايخ، رجليه مش شايلـة طوله، دخل الأوضة القديمة بتاعتنا، لم هدومه في شنطة قماش قديمة، وطلع جراها وراه.. وقف عند باب الشقة، وبصلي بكسرة ونظرة رجاء أخيرة، كأنه مستني أقوله خلاص سامحتك. ابتسمت له ببرود، وقربت من الباب، وزقيت الشنطة برجلّي برة العتبة، وقولتله: ـ مع السلامة يا عريس.. ابقى خلي الفرفشة تنفعك! ورزعت الباب في وشه، وقفلته بالترابيس تلات قفلات.. سندت ضهري على الباب، وأخدت نفس طويل وعميق، وحسيت بروح عيلتي وبأبويا الله يرحمه كأنه واقف جنبي وبيطبطب عليا. قعدت على كرسي الصالون، رفعت فنجان القهوة بتاعي اللي كان لسه دافي، وأخدت منه بوق، وبصيت للشقة الفاضية الهادية.. وحسيت لأول مرة من سنين.. بالنصر والراحة. الهدوء اللي حل في الشقة بعد قفل الباب كان ليه صوت.. صوت انتصار حقيقي. فضلت قاعدة مكاني على الكرسي، باصة للباب المقفول وبسمع خطوات سعيد السريعة والمبهدلة وهو نازل على السلم، خطوات واحد بيهرب من فضيحته ومن نفسه. فنجان القهوة في إيدي كان لسه فيه بوق واحد، شربته بمتعة مكنتش حسيت بيها من سنين، كأن طعم المرار اللي عشته معاه كله اتمحى في ثانية. قمت وقفت، وبدأت أتحرك في الشقة بخفة، كأني كنت شايلة جبل على كتافي وفجأة اترمى. دخلت الأوضة اللي سعيد توهبها ووضع فيها "شقا عمره". فتحت النور.. السبوتات والجبس بورد والإضاءة الحديثة كانت منورة على الفاضي. الأوضة اللي كان راسم إنها هتبقى عش غرامة الجديد، بقت دلوقتي شاهدة على غباءه وطمعه. بصيت للسرير الجديد والدهانات الحديثة، وضحكت من قلبي: ـ "شكرًا يا سعيد.. وضبتلي الأوضة على حسابك، أهو أعملها مكتبة محترمة، أو أوضة للقراءة والهدوء اللي بحبهم." قفلت النور وخرجت للصالة، مسكت موبايلي وكلمت المحامي بتاعي: ـ أيوة يا متر.. كله تمام، السيناريو اتنفذ بالحرف، والورق اتسلم قدام الأهل كلهم، وهو خرج بشنطة هدومه. كمل بقى إجراءات القضية، ومستنية منك تبلغني بميعاد الجلسة الجاية. قفلت مع المحامي وأنا حاسة برضا تام. دخلت المطبخ، فتحت التلاجة وبصيت للحاجة اللي فيها.. المطبخ اللي كان بيدخل يفتش فيه ويزعق لو لقى عصير ناقص عشان "العروسة دبلانة"، بقا ملكي لوحدي تاني. طلعت علبة شوكولاتة كنت شايلاها، وأخدت منها حتة، ورجعت قعدت في الصالة في هدوء تام.. الهدوء اللي سعيد كان بيسميه "كآبة" عشان مكنش قادر يفهم قيمة البيت المستقر والست الأصيلة. مرت الأسابيع، وسعيد مكنش بيبطل محاولات.. رسايل على الواتساب من أرقام مختلفة، مكالمات من أهله، وكلها نفس النغمة: "فوزية إحنا ولاد أصول، والصلح خير، وسعيد ندمان وطلق البنت وتعبان ومتبهدل في إيجار جديد". وفي يوم، وأنا نازلة رايحة مشواري، لقيتـه واقف جنب مدخل العمارة.. ملامحه كانت متغيرة تمامًا، الوش المتبغدد والبدلة الجديدة اختفوا، وظهر مكانه الراجل اللي ظروفه وحشة زي ما عرفته أول مرة، بس المرة دي من غير حب يشفع له، ومن غير "فوزية" اللي تسنده. قرب مني بلهفة وبصوت مرعوش: ـ فوزية.. أرجوكي اسمعيني، أنا طلقتها، ورقتها وصلت لها تالت يوم، أنا اتعميت.. الطمع عماني يا فوزية، بس عرفت قيمتك، الشقة من غيرك ضلمة، وأنا متبهدل ومش لاقي آكل، وكل فلوسي راحت في التوضيبات والمحامي. سامحيني وارجعيلي وأنا هبقى تحت رجلك. وقفت في مكاني، وبصيتله بنفس البرود اللي هَد مملكته يوم الخميس المشهود، رفعت نضارتي الشمسية وبصيت في عينيه المكسورة وقولتله بنبرة هادية وقاتلة: ـ سعيد.. أنت مكنتش مستني تخلف، أنت كنت مستني فرصة عشان تكسرني وتعيش دور الراجل اللي بيصرف ويدلع على حسابي.. أنت طلقتها مش عشان عرفت قيمتي، أنت طلقتها لأنك مش ملاحق على مصاريفها ولأن أبوها كان هيحبسك، ولما ملقتش حيطة تتسند عليها رجعتلي.. بس لِلأسف يا سعيد، فوزية اللي كانت بتشيل وتستحمل وتضحي، ماتت من يوم ما شيلت الست دي ولفيت بيها في صالوني. سعيد دموعه نزلت وقال: ـ يعني مفيش أمل؟ هتهدي بيتنا عشان غلطة؟ ابتسمت وأنا بتحرك وبسيبه ورا ضهري: ـ البيت اتهد لما قولتلي "هتجوز في الأوضة التانية ومصاريف البيت زي ما إحنا".. وأنا مهدتش، أنا بس نضفت بيتي من قلة الأصل.. مع السلامة يا سعيد، وخلي المحامي بتاعك يجهز، عشان قضية الخلع هتحكم قريب، وإيصالات التوضيبات هتوصلك للمحكمة. ركبت عربيتي، ودورت المحرك، وبصيت عليه في المراية وهو واقف في الشمس، صَغير، مكسور، وضايع.. وطلعت في طريقي وأنا ببتسم للمستقبل والصفحة الجديدة اللي هبدأها لوحدي.. وبكل قوة. مرت السنتين ورا السنتين، والحياة دارت دورتها العادلة جداً. الخلع تم، وإيصالات الأمانة وتمن التوضيبات دفّعوا سعيد التمن غالي من سمعته وصحته وهو بيلف على المحاكم عشان يسدد قرش بقرش، لحد ما أخباره انقطعت تماماً عني وعن المنطقة كلها. في الفترة دي، أنا مكنتش قاعدة بعيط على الأطلال، أنا كنت بنجح.. بنجح في شغلي، في حياتي، وفي سلامي النفسي اللي رجع ينور وشي وبيتي من جديد. وفي وسط طريقي للنجاح ده، ظهر "يوسف". يوسف كان مهندس ديكور، محترم، وابن ناس، دخل حياتي في البداية عشان يعيد تصميم الشقة ويشيل منها أي أثر أو ذكرى للمرحلة القديمة. شاف فيا الست القوية، الناجحة، اللي عينيها مليانة عزة نفس، وحبني.. حبني لشخصي، لكياني، مش لفلوسي ولا لـ "شقايا". ولما جه اتقدم وعاملي أهلي بمنتهى الأصول والتقدير، وافقت وأنا قلبي مرتاح ومطمن. يوسف كان عارف قصتي مع الخلف، وقبل ما نكتب الكتاب مسك إيدي وقالي بمنتهى الحنية: ـ "يا فوزية، أنا شاري إنسانة، مش شاري خطة إنجاب.. أنتِ عندي بالدنيا كلها، ولو ربنا مأردش نخلّف، أنتِ بنتي وحبيبتي وكل دنيتي." كلامه طمن روحي، وعشنا مع بعض سنة ونص في منتهى الهدوء والدلع الحقيقي.. الدلع اللي قايم على الاحترام والتقدير، مش التنطيط والمنظرة الكدابة. وفي يوم.. حسيت بتعب مفاجئ، دوخة وإرهاق مكنتش فاهماهم. يوسف صمم نروح للدكتور.. الدكتور اللي كان نفس الدكتور القديم اللي قالي زمان "العيب منك". بعد الكشف والتحاليل، الدكتور بص في الورق وبصلي بابتسامة واسعة وذهول مالي وشه وقال: ـ "سبحان الله يا مدام فوزية! الطب ساعات بيقف عاجز قدام إرادة ربنا.. الضغط النفسي، والكسرة، والتوتر اللي كنتِ عايشة فيهم زمان كانوا هما السد الحقيقي.. دلوقتي، مع الراحة النفسية والهدوء، جسمك رجع لطبيعته تماماً.. مبروك، أنتِ حامل في الشهر التاني!" يوسف دموعه نزلت من الفرحة، وأنا قعدت أعيط وأضحك في نفس اللحظة.. افتكرت سعيد وجملته "العيب منك.. هتجوز عشان أخلف"، وافتكرت إن ربنا مب ينساش حد، وبيرد الاعتبار في الوقت المناسب وبالطريقة اللي تبهر العقول. وبعد سبع شهور.. شيلت بين إيديا "يحيى".. حتة من روحي، مالي عليا الدنيا. وفي يوم جمعة مشمس، كنت قاعدة في الصالة.. الصالة اللي اتغيرت وبقت قمة في الشياكة والهدوء بلمسات يوسف. يوسف كان واقف بيعمل القهوة في المطبخ وهو بيغني بصوت واطي، وأنا قاعدة على الكنبة، بهز سرير يحيى وببص لوشه الملائكي وهو نايم، وبشرب قهوتي بسلام حقيقي. فجأة، تليفوني رن برقم غريب.. رديت: ـ "ألو.. مين معايا؟" صوت مبحوح، تعبان، ومليان كسرة وشقا جه من الناحية التانية.. صوت عرفته علطول رغم السنين: ـ "فوزية؟.. أنا سعيد يا فوزية." سكت ثانية، وبصيت ليحيى، وقولت ببرود تام: ـ "عايز إيه يا سعيد؟" صوته اتهز وقال بدموع مكتومة: ـ "أنا تعبان أوي يا فوزية.. اتبهدلت، واشتغلت شغلانتين عشان أسدد اللي عليا، ومتجوزتش تاني ومخلفتش، وكل ما بروح لست تانية الموضوع بيفشل، والدكاترة قالوا لي إني سليم بس النفسية مدمرة.. أنا عايش في أوضة تحت السلم، وعرفت إنك اتجوزتي.. بس قولت يمكن قلبك يحن، يمكن تدعيلي، أنا حاسس إن ذنبك هو اللي موقف حالي ومخليني مش عارف أشوف يوم حلو." أخدت نفس طويل، وبصيت ليوسف وهو خارج من المطبخ وفي إيده فنجان القهوة بتاعي بيقدمهولي بابتسامة حنونة وبيمسح على راسي، وبصيت لابني يحيى اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرين.. وقولت لسعيد بنبرة هادية جداً، صافية، وخالية من أي غل، بس مليانة رعب: ـ "ذنبك مش عندي يا سعيد.. ذنبك عند ربنا اللي كسر خاطري وكسر نفسي في بيتي.. ربنا اللي أنت استقويت بيه عليا فرماك تحت السلم.. أنا خلاص مش فاكراك بأي شر، لأن ربنا عوضني بالراجل اللي شالني في عيونه.. وبـ 'يحيى' ابني اللي نايم في حضني دلوقتي.. ربنا يسهلك حالك يا سعيد، بس متتصلش هنا تاني." وقفلت السكة.. قفلتها وأنا حاسة إن الدايرة اتقفلت تماماً.. سابع أرض اللي سعيد نزلها، مكنتش بس خسارة شقة وفلوس.. دي كانت خسارة عمر، ونفس، وكرامة.. في حين إني وقفت على رجلي، وربنا رفعني لسابع سما، ومعايا راجل بجد، وابن بيملى عليا دنيتي.