خرجت وجريت الباب ورايا، بس الخبطة المرادي مكنتش خبطة تملّك، دي كانت خبطة طردة وخزي. السلم كان ضلمة وطويل قوي، والخطوات اللي كنت بنزلها بفخر وأنا عريس وبجيب عفش جديد، بقيت بنزلها وأنا شايل كيسين أسود فيهم شوية لبس ملهومش تمن، ومراتي الجديدة نازلة ورايا بتصوّت وتلطم على حظها اللي اتقلب في ثواني. طول ما إحنا نازلين، صوتها كان بياكل في وداني زي المنشار: "هو ده إيهاب؟ هو ده الوجاهة والشركات والعز اللي قولتلي عليه؟ مكنتش أعرف إنك عايش في خير ناس تانية! مكنتش أعرف إنك حتة موظف عند عمك وبنت عمك! أنا ذنبي إيه أترمي في الشارع بالطريقة دي؟" مكنتش قادر أنطق ولا بكلمة، لساني كان مربوط، ووشي كان جايب ألوان من الكسرة. أول ما وصلنا الشارع، لمحت عربيتي المركونة تحت البيت.. العربية اللي عمي اشتراها باسم الشركة وكان مدهالي أتحرك بيها. لسه بمد إيدي في جيبي عشان أطلع المفتاح وأهرب من الفضيحة، لقيت غفير العمارة واقف قدامي ومعاه اتنين رجالة بجسم عريض، باين عليهم من رجالة عمي في السوق. الغفير قرب مني وراسه في الأرض، بس نبرته كانت حاسمة: "معلش يا أستاذ إيهاب.. الباشا اتصل بيا وقالي آخد منك مفتاح العربية ورخصتها حالا، وقالي أبلغك إنك لو عتبت ناحيتها هتعمل لك قضية سرقة." مراتي الجديدة صرخت وجات لها حالة ذهول: "حتى العربية؟ يا نهار أسود ومنيل! إحنا هنروح فين بالهدوم دي في نص الشارع؟" رميت المفتاح في إيد الغفير بغل وكسرة، وأخدت مراتي من إيدها وبقينا ماشيين على رجلينا والناس في المنطقة بتبص علينا ويتودودوا. الوجاهة والمنظرة اللي كنت عايش فيهم ومقعد بيها جومانه على ركبها تمسح الأرض، اتمسحت بيا أنا في دقيقة واحدة. في نفس الوقت.. فوق في الشقة جومانه كانت واقفة في البلكونة، بتبص علينا من فوق وإحنا ماشيين في الشارع زي الشحاتين ومتبهدلين. مكنتش بتعيط، ولا كانت شمتانة بـ غل.. كانت بتبص بـ راحة، كأن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. عمي قرب منها، حط إيده على كتفها وشدها لحضنه وقال لها بحنان: "خلاص يا جومانه يا بنتي.. الكابوس انتهى. من بكرة المحامي هيرفع قضية طلاق وخلع، وهيجيب لك كل حقوقك لحد عندك. والشركة اللي كان فاكر نفسه ملكها، هيدخلها بكرة واحد تاني يمسكها، وهو هيلف في الشوارع يدور على لقمة عيش ومحدش هيرضى يشغله بعد اللي عمله فيكي." جومانه اتنفست بعمق، وبصت لأبوها وقالت: "الحمد لله يا بابا.. الحمد لله إنك جيت في الوقت المناسب. أنا كنت حاسة إني بتموت." أما أنا.. فقعدت مع مراتي الجديدة على رصيف في آخر الشارع، الكياس جمبنا، وهي قاعدة تبكي وتندب وتلومني على كل حاجة، وأنا عيني في الأرض بفتكر كل كلمة قولتها لـ جومانه، وكل ذل ذليتهولها، وبتأكد إن الدنيا دواير.. واللي عملته فيها، اِتردلي أضعاف ومبقاش ليا لا أصل ولا فصل ولا حتى لقمة آكلها. مراتي الجديدة لفت وشها الناحية التانية، وبدأت تلم حاجتها وتعدل هدومها، وبصت لي بنظرة عمري ما شوفتها منها قبل كده.. نظرة كلها قرف وزهد. وقفت على حيلها، ونفضت التراب عن فستانها وقالت ببرود قسّم ضهري نصين: "لحد هنا وكفاية يا إيهاب.. أنا ماليش مقعد معاك في الشارع. أنا كنت واخدة المدير العام، صاحب الهيبة والشقة والعربية، مش واخدة واحد مطرود بكيسين هدوم ومالوش لقمة عيش. أنا رايحة بيت أهلي، وورقة طلاقي تجيلي لحد هناك.. إنت خلاص مبقاش فيك رجا." سابتني واقف مكاني من غير ما تستنى رد، شاورت لتاكسي، ركبت ورزعت الباب وراها، وسابتني لوحدي مع الكيسين الأسود على الرصيف، والناس رايحة جاية بتدب عيونها فيا. الست اللي كنت بكسر جومانه عشانها، وتحديت الدنيا كلها عشان أرضي غروري بيها، باعتني في أول محطة لما لقت البير فضي ومبقاش فيه فلوس. بعد مرور أسبوع.. الوضع اتقلب 180 درجة. جومانه كانت قاعدة في مكتب المدير العام في الشركة، المكتب اللي كنت بقعد عليه وأنا حاطط رجل على رجل. كانت لابسة طقم رسمي أنيق، وملامح الوجع والدبلان اللي في وشها اختفت، وحل مكانها ثقة وهيبة تليق ببنت صاحب الشغل. عمي كان واقف جمبها، حاطط إيده على كتفها وهو بيبتسم بفخر ويقول للموظفين: "من النهارده، الأستاذة جومانه هي المديرة الفعالة للشركة، وأي قرار هي هتقوله يتنفذ بالحرف.. عاوزكم تفرجوا جومانه على الشغل اللي بجد." في اللحظة دي، الباب خبط، ودخل الساعي وهو شايل دوسيه وملف أحوال الموظفين، وقال بتردد: "ست جومانه.. إيهاب بره واقف على الباب، ومعاه أوراق إخلاء الطرف، وطالب يقابل حضرتك أو الباشا عشان ياخد بقية مستحقاته لأنه مش لاقي شغل بره والشركات كلها رفضته بعد ما عرفوا اللي حصل." عمي بص لـ جومانه وساب لها القرار الكامل بابتسامة وهدوء. جومانه ملامحها متهزتش، ولا ظهر عليها أي ضعف. عدلت نظارتها وبصت للساعي وقالت بنبرة حاسمة وصوت مسموع هز المكاتب بره: "خليه يستنى بره يا عم صابر.. خليه يقف على رجله لحد ما أخلص الاجتماع اللي معايا. وزي ما كان بيقولي زمان إني عايشة بلقمتي، اديله مكافأة نهاية الخدمة بتاعته ناقصة حق السجاد والعفش الجديد اللي بوظه في بيتي.. وقوله المديرة بتقولك: مقامك بره الباب ده، و اللي بيبني نجاحه على قهر الستات، أخرته دايماً بتبقى على الرصيف." أنا كنت واقف بره، سامع كل كلمة من ورا الباب. راسي كانت في الأرض، وجوايا حسرة بتاكل في قلبي. كنت شايف الموظفين اللي كنت بتنطط عليهم بيبصوا لي بشماتة . عرفت ساعتها إن عمي لما سافر وساب الوصية، مكنش بيكسرني.. كان بيختبر رجولتي، وأنا اللي سقطت في الاختبار، وضيعت الست اللي كانت صايناني، وخرجت من المولد بلا حمص.. لا طايل جومانه، ولا طايل مراتي الجديدة، ولا حتى طايل كرامتي. خرجت من باب الشركة وجوايا مية سكين بتقطع في كرامتي. مكافأة نهاية الخدمة اللي جومانه خصمت منها حق العفش والسجاد مكنتش تكفي تمن إيجار أوضة وصالة في أفقر منطقة. أول حاجة عملتها، إني طلعت على المحامي ورميت يمين الطلاق على مراتي الجديدة اللي باعتني في لحظة؛ مكنش ينفع أسيب حتة من كبريائي معاها، وطلقتها وروحي بتتعصر من الندم على كل خطوة مشيتها في السكة دي. بعد مرور سنة.. في مكان تاني خالص الزمن دار دورته كاملة، والوجاهة والبدل الشيك والشركات كله اتبخر. بقيت واقف من صباحية ربنا لحد آخر الليل ورا مكنة كاشير في سوبر ماركت صغير، لابس مريلة الشغل، وضهري مقطوم من الوقفة. كل ما يترسم على الشاشة قدامي تمن علبة لبن أو كيس مكرونة، بفتكر جومانه واللقمة اللي كنت بمعيرها بيها، بفتكر ذلها وهي بتمسح الأرض تحت رجلي، وبقول لنفسي: "أهو إنت بقيت واقف تخدم الخلق كلهم عشان تطلع بلقمتك في آخر الشهر". وفي يوم من الأيام، وأنا واقف بحاسب الزباين ورأسي في الأرض كالعادة، سمعت صوت زعيق وخناقة حامية بره باب السوبر ماركت. رفعت عيني أبص، واتسمرت مكاني. كانت مراتي الجديدة.. واقفه في نص الشارع، مبهدلة، لبسها دبلان وشكلها تعبان قوي، وواقف قدامها راجل غليظ بيزعق لها ويهينها قدام الرايح والجاي. عرفت من كلام الناس والشهود اللي واقفين إنها بعد ما سابتني، جريت ورا الفلوس واتجوزت الراجل ده عشان غني، بس طلع متجوز ومراته الاولى قويه ومفتريه ، أخد فلوسها اللي كانت دساهم من ورايا، وبهدلها، ومسح بكرامتها الأرض، وفي الآخر رماها في الشارع وطلقها . بصيت لها وهي بتعيط بـ قهر، نفس العياط والكسرة اللي شوفتها في عين جومانه يوم الفرح ويوم ما العصير اتدلق على السجاد. سبحان الله، الوجع اِترد لها بالحرف، والمكايد والشر اللي بختهم في ودن بنت عمي، اِتطبخوا وجم فوق دماغها، وذاقت من نفس الكأس اللي شربت منه جومانه. نزلت عيني تاني على المكنة وأنا ببلع ريقي بمرارة، وبحمد ربنا إن جومانه بعيدة عن القرف ده كله، عايشة ملكة في بيت أبوها وشركته، وإحنا الاتنين اللي اِتفقنا على قهرها.. واقفين في الشارع، واكلنا الذل، وكل واحد فينا بيحصد جحيمه اللي زرعه بإيده