حكايات انجي الخطيب 2

بصيت لأبويا وهو منهار على الأرض، ودموعي اللي كانت محبوسة بدأت تنزل زي الشلال. مكنتش عارفة أواسي مين؟ قلبي المكسور ولا الراجل اللي كان سندي وطلع هو اللي هادد كياني؟ قربت منه، قعدت جنبه على الأرض الباردة، ومسكت كتفه، وبصوت مبحوح قلتله:
​يا بابا، لو الكلام ده بجد، لو فعلاً أنت السبب في اللي حصل لأخويا.. يبقى لازم ننهي المهزلة دي بنفسنا. مش هنستنى سالم يهد البيت فوق دماغنا، ولا هنستنى حد يدوس علينا أكتر من كدة.
​أبويا رفع راسه، كانت عيونه غرقانة في دوامة من الندم والكسرة، مسك إيدي وباسها، صوته كان طالع زي فحيح التعبان:
​يا بنتي، أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكي.. سالم ده شيطان، عنده وسايل يخلي اللي مش حقيقي يبان كأنه واقع، وأنا كنت غبي لما سمحتله يمسك عليا الحتة دي. هو مش بس معاه تسجيلات، هو معاه “أوراق” وقرارات أمضيتها وأنا مش حاسس، أوراق لو طلعت للنور، أنا مش بس اللي هروح في داهية، العيلة

دي كلها هتتشرّد.
​وقفت فجأة، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للمكان من حوالينا. المخزن ده مكنش مجرد مخزن غلال، ده كان مخزن “أسرارهم”. بصيت في ركن بعيد، لمحت صندوق خشبي قديم عليه قفل صدّي، افتكرت كلام أخويا الله يرحمه قبل ما يموت بأيام، لما قالي: “لو حصل لي حاجة يا أختي، الحقيقة كلها في الصندوق اللي في المخزن، مفتاحه في جيب الجاكيت اللي أبويا دفنه يوم ما اتخانق مع عمي”.
​مشيت ناحية الصندوق، ولقيت أبويا بيبصلي بذهول، كأنه عرف أنا بدور على إيه. حاولت أكسر القفل بالحجر اللي كان جنب الباب، مرة واتنين، لحد ما القفل اتفتح بـ “طرقعة” خلت قلبي ينط من مكانه. فتحت الصندوق، مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه “دفتريين” صغيرين، وشوية صور قديمة، وشرايط كاسيت، وورقة مكتوب عليها بخط إيد أخويا: “للي هيقرا الكلام ده، أنا عارف إن نهايتي قربت، وده كل اللي قدرت أجمعه عن شركاء الدم”.
​قلبت في الدفتر، ولقيت أسماء، تواريخ، وحسابات بنكية، وتفاصيل لعمليات غير مشروعة مش بس تخص أبويا وعم “سالم”، دي تخص ناس تقيلة في البلد!
​بصيت لأبويا وقلتله بابتسامة باهتة ومرعبة في نفس الوقت:
​يا بابا، سالم فاكر إنه ماسك علينا “خيط”، بس هو ميعرفش إننا قاعدين على “قنبلة” موقوتة.. لو ولعت، هتحرق سالم، وهتحرقنا معاه، وهتحرق كل اللي شارك في دمنا.
​أبويا بص للدفاتر واتنفس بعمق، لأول مرة شفت في عينيه لمعة تحدي وسط الضعف. قالي:
​أنتي ناوية على إيه يا بنتي؟
​بصيت لبعيد، للشارع اللي هيمشي فيه سالم بكرة وهو فاكر إنه ملك العالم، وقلت:
​ناوية أخلص من الشيطان بسلاح الشيطان نفسه.. بكرة، سالم هيعرف إن اللي استضعفها، هي اللي هتحط نهايته بإيدها.
……
طلعت الدفاتر من الصندوق وحطيتها في شنطتي، وخرجت مع أبويا من المخزن، السكون في الشارع كان بيخنق، والليل كان ساترنا بظلمته. ركبنا العربية وأنا ملامحي اتحجرت، مفيش دموع تاني، مفيش خوف، جوّاي بركان بيغلي ومحتاج يطلع في الوقت الصح.
​وصلنا البيت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وشها زي الميتين، لما شافتني داخلة بالشنطة دي وبصت لأبويا اللي كان ماشي ورايا وراسه مرفوعة لأول مرة من سنين، قامت وقفت بخوف:
​عملتوا إيه؟ سالم سابكم في حالكم؟
​بصيت لأمي، لملامحها اللي شالت هموم سنين، ولقيتني بقولها بصوت واطي بس حازم:
​سالم مش هيسيبنا في حالنا يا أمي، سالم فاكر إنه صياد، بس الليلة دي عرفت إنه كان بيصطاد في مية عكرة، وأنا قررت أكشف المية دي للكل.. ادعيلي، لأن اللي جاي معناه يا نعيش بكرامة، يا نموت والحقيقة معانا.
​دخلت أوضتي، قعدت على مكتبي، وفتحت الدفاتر. بدأت أقرأ التفاصيل، كان كل اسم مذكور في الدفاتر دي وراه كوارث. اكتشفت إن سالم مش بس بيهددنا، ده كان “الذراع اليمين” لشبكة فساد كبيرة في المحافظة، وأبويا مكنش مجرد شريك، كان “مغسلة” لفلوسهم الحرام. أخويا الله يرحمه كان بيجمع ده كله عشان يفك قيودنا، بس دفع حياته تمن للصدق.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *