انا وسلفتي حكايات روماني مكرم ١

شعرت فجأة ببريق من الأمل، وقوة لم أعهدها من قبل تنبت في داخلي. تذكرت كل إهانة، كل كلمة “يعر”، وكل سخرية من أهلي ومن جهازي ومن صينية صباحيتي.

قلت لطارق بنبرة هادئة ولكنها واثقة: “تنوروا يا طارق.. البيت بيتك، مستنياكم بفارغ الصبر، ولازم تيجوا كلكم.”

أغلقت الهاتف والابتسامة ترتسم على وجهي لأمل قادم. أدركت أن اللعبة كبِرت، وأن الأسبوع القادم سيشهد زيارة تقلب موازين القوى في بيت العائلة، وتجعل من استهزأ بفقري يعيد حساباته ألف مرة..

ولكن، كيف ستمر الأيام القادمة حتى تصل هذه الزيارة؟ وما هي المؤامرة الجديدة التي تجهزها حماتي وسلفتي لي قبل وصول البشوات؟

 

مرت الأيام السبعة التي سبقت الزيارة وكأنها دهر كامل، ولم تتوقف فيها حماتي الحاجة فاطمة ولا سلفتي سلوى عن محاولات النيل مني. كانت حماتي تتعمد في كل مناسبة، وأمام أي ضيف يدخل البيت، أن تعيد أسطوانتها المشروخة عن “الجهاز الذي يعر” و”الصباحية التي تكسف”، بينما كانت سلوى تتبختر بذهبها وتتعامل معي كأنني خادمة في القصر الذي اشترته بمال أبيها التاجر. كنت أتحمل الإهانة تلو الأخرى، والابتسامة لا تفارق شفتي، مما أثار حيرتهما؛ فلم أعد أبكي أو أنزوي في شقتي كما كنت أفعل من قبل. كانت القوة المستمدة من مكالمة طارق ابن خالتي تجري في عروقي، وكنت أعلم أن ساعة الحساب قد اقتربت.

وفي صباح اليوم الموعود، نزلت إلى الطابق الأرضي حيث كانت حماتي وسلفتي تجلسان في ردهة البيت الكبير تتبادلان أطراف الحديث. وقفت أمامهما وبنبرة هادئة وواثقة قلت: “يا ماما، أنا حابة أبلغك إن أولاد خالتي جايين يزوروني النهاردة بعد العصر إن شاء الله، عشان يباركوا لي على الجواز ويشوفوا البيت.”

نظرت إليّ حماتي من أعلى لأسفل، ثم أطلقت ضحكة ساخرة رنت في أرجاء المكان وقالت: “أولاد خالتك؟ وأولاد خالتك دول يطلعوا إيه بقى إن شاء الله؟ جايين يزوروكِ بصينية بسبوسة تانية ولا جايبين معاهم علبة شيكولاتة من الدكان اللي على أول الشارع؟” شاركتها سلوى الضحك وهي تلوي فمها باستهزاء قائلة: “تلاقيهم جايين في ميكروباص يا ماما، جهزي لهم كراسي خشب في الحوش برة عشان الصالون الجديد بتاعي ما يتبهدلش.” لم أرد عليهما، بل اكتفيت بالابتسام وقلت: “البيت بيتكم يا ماما، واليوم بيننا.” عدت إلى شقتي وبدأت أستعد، وأنا أترقب وصول السند الذي حُرمت منه طويلاً.

ومع دقات الساعة الرابعة عصرًا، اهتزت الشوارع المحيطة ببيت العائلة بصوت محركات قوية ومستمرة. خرج الجيران إلى الشرفات، ونظرت حماتي وسلفتي من نافذة الطابق الأرضي بصدمة وذهول؛ حيث اصطف أمام بوابة البيت الكبير طاقم سيارات فارهة من أحدث الموديلات السوداء، نزل منها رجال يرتدون حُلاً رسمية أنيقة، وفتحوا الأبواب الخلفية لثلاثة رجال يفيضون هيبة ووقارًا. كانوا أولاد خالتي: طارق، وعاصم، وماجد.. بشوات القاهرة الحقيقيين الذين تتحدث عنهم وعن شركاتهم كبرى قطاعات المال والأعمال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *