انا وسلفتي حكايات روماني مكرم ١

وقفتُ أستقبلها بابتسامة خجولة، وقبلت يدها وقلت: “صباح الخير يا ماما، نورتينا.”

لم ترد التحية، بل مشت بخطوات بطيئة نحو المطبخ، ثم اتجهت إلى غرفة المعيشة، تتأمل الأثاث والسجاد. وفجأة، سخرت بضحكة صفراء هزت أركان الشقة:

> “هو ده بقى الجهاز اللي قعدتوا تقولوا عليه؟ السجاد ده خفيف قوي يا رشا، والخشب ده باين عليه شعبي مش دمياطي أصلي. تعالي معايا كدة الشقة اللي قصادك وشوفي الأصول.”

>

أخذتني من يدي بقسوة ودون أن تترك لي فرصة للرفض، ودخلنا شقة سلفتي سلوى. كانت شقتها تفوح برائحة الأثاث الجديد الفاخر، وكانت والدتها وأخواتها يجلسون هناك، وعلى الطاولة الكبيرة أمامهم تلال من علب الهدايا ومبالغ مالية ضخمة من “النقطة”.

التفتت إليّ حماتي أمام الجميع، وقالت بصوت عالٍ تعمدت أن يسمعه كل من في البيت:

> “شايفة الجهاز اللي يشرف؟ شايفة الألماس والذهب وغرف النوم اللي تفتح النفس؟ مش زي جهازك اللي يعر وميشرفش حد! شايفة صباحية سلفتك ولمت قد إيه نقطة ترفع الراس؟ مش زي أهلك اللي داخلين علينا بصينية بسبوسة على الصبح، وحتى نقطتهم حاجة تكسف وما تشرفش!”

>

نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. شعرت بغصة في حلقي وكأن النيران تشتعل في صدري. نظرت إلى الأرض ولم أنطق بحرف، بينما كانت سلفتي تنظر إليّ بنظرات انتصار وشفقة مزيفة، ووالدتها تبتسم بكبرياء أصاب قلبي في مق/تل.

### الوجع المستور وسر البشوات

عدت إلى شقتي أجر أذيال الخيبة والدموع تنهمر على وجنتي. ارتميت على السرير وأنا أتذكر كل لحظة مرت علينا وأحن إلى أبي المتوفى. تذكرت أخي الذي اقتطع من قوته ليساعدني، وتذكرت أمي التي تعبت وشقيت.

لم يكن أحد في هذا البيت يعلم أن كرامتي كانت تمنعني من الاستجداء. أنا لست مقطوعة من شجرة؛ فأولاد خالتي “بشوات” حقيقيون، يملكون شركات كبرى وعقارات في قلب القاهرة، ويعيشون في مستوى لا تحلم به حماتي ولا سلفتي. لكن كبرياء أمي وعزة نفسي جعلتنا نجهز كل شيء بصمت دون أن نطلب مليمًا واحدًا من أحد، ولم نخبرهم حتى بموعد الزفاف لتفادي إحراج أخي وتكفله بمصاريف فوق طاقته. لو علم أولاد خالتي بما يجرى لي الآن، لقلبوا هذا البيت رأسًا على عقب، ولكنني فضلت الصبر لحماية بيتي وزوجي “كريم”.

دخل كريم الغرفة ووجدني في هذه الحالة، فحاول تهدئتي وقال بقلة حيلة:

“معلش يا رشا، أمي طبيعتها كدة بتحب المظاهر، وسلوى أهلها أغنياء وأبوها تاجر معروف. عدي الليلة وما تزعليش نفسك، أنا شريك حياتك ومش فارق معايا الجهاز.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *