قرض بضمان وظفتى بقلم امانى سيد ٣
بعد كام شهر، كانت الجلسة الأخيرة في المحكمة. القانون مبيظلمش حد معاه حق، والمحامي بتاعنا قفل كل الثغرات. أحمد وأبوه لما لقوا إن القضايا داخلة في حيطة سد، وإن الحبس بقا قريب بسبب تبديد القايمة والنفقة، اضطروا يتنازلوا ويطلقوا بالمعروف عشان يلموا اللي باقي من برستيجهم قدام الناس في حدائق الأهرام.
يوم ما استلمت ورقة طلاقي، مكنش يوم حزن، كان يوم عيد. أخدت الورقة في إيدي وبصيت لاسم “صباح” المكتوب فيها، وحسيت إني بتولد من جديد.
مرت سنة كاملة على الحكاية دي.
في خلال السنة دي، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. في الشغل، اترقيت وبقيت رئيسة القسم بتاعي، مجهودي وتعب وشقايا اللي كانوا عايزين يسرقوه بالباطل، ربنا باركلي فيه وبقى يدخلّي ضعف المرتب اللي كنت باخده زمان. اشتريت عربية صغيرة بقسط مريح من تعبي، وبقيت بروح بيها الشغل وراسي مرفوعة ومبقتش أتبهدل في المواصلات.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، وقفت في إشارة قريبة من منطقتهم القديمة. بصيت بالصدفة من شباك العربية، لقيت أحمد واقف على الرصيف.. ملامحه كانت دبلانة، لابس لبس مستهلك، وبان عليه الهم. لمحت جنبه واحدة باين عليها التعب والكسرة، وماشية وراه وهي شايلة أكياس تقيلة وهو حتى ممدش إيده يشيل عنها، وباباه واقف بعيد بيشاورلهم بزعيق.
عرفت وقتها إن الطبع عمره ما بيتغير، وإن ربنا نجاني من المستنقع ده في الوقت المناسب. أحمد بص ناحية العربية وعينه جت في عيني.. عرفني. شوفت في نظرته حسرة وندم عمري ما شوفتهم في حياتي، صدمته وهو شايف “صباح” اللي كان عايز يقعدها في المطبخ تخدم بلقمتها، وهي سايقة عربيتها وناجحة وفي كامل أناقتها وقوتها، كانت كفيلة تاخد لي حقي تالت ومتلت.
الإشارة فتحت، دوست بنزين ومشيت، ومبصيتش ورايا تاني.
أنا صباح.. البنت اللي رفضت تبيع كرامتها بسبعين ألف جنيه، واللي اختارت طريق الشقى والحرية والاعتماد على النفس، وربنا عوضها بإنها بقت صاحبة قرارها، ومفيش راجل في الدنيا يقدر يكسر عينها أو يلوي دراعها بقرش. الحكاية مكنتش حكاية قرض، الحكاية كانت درس عمري اللي عرفت بيه إن الضهر الحقيقي هو كرامتي، وشغلي، وأبويا اللي قالي في أول يوم: “يا بنتي، الدهب غالي، وميقدروش عليه غير رجالة بجد.”