اتبرع شخص حكايات روماني مكرم 2
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
نزلتُ السلالم كالمجنونة، لم أكن أرى أمامي من فرط الرعب. ط طخات قلبي كانت تسابق خطواتي في شوارع شبرا الضيقة حتى وصلت إلى حارة رضوى.
المشهد كان يحبس الأنفاس؛ سيارتان كبيرتان تقفان بعرض الحارة، وثلاثة رجال بوجوه كأنها قُدت من صخر، يلتفون حول يوسف الذي كان واقفاً بصلابة رغم شحوبه، وظهره مسنود إلى باب الدكانة الحديدي. أحد الرجال، وكان يبدو أكبرهم سناً وعيناه تتطاير منهما الشرار، كان يمسك يوسف من ياقة قميصه ويصرخ بصوت زلزل المكان:
“هربت من الصعيد وجمعت ناسك وراك يا يوسف؟ فاكر إنك لما تبيع حتة من جسمك لغلابة في بندر مصر، عارنا هيموت؟ أنت كسرت كلمتنا ودخلت المستشفى من ورا بيك.. والنهاردة هترجع معانا مكسور الرأس، يا إما دمك هيفارق جسمك هنا!”
الجيران كانوا يراقبون من وراء الشيش بخوف، ورضوى كانت تقف بعيداً وهي ترتعش. في تلك اللحظة، شعرت بنار تحترق في صدري؛ هذا الرجل لم يهرب ليفعل جريمة، هذا الرجل منح ابنتي الحياة!
بدون تفكير، دفعت الرجل الكبير بكل ما أوتيت من قوة حتى تراجع للخلف، ووقفت بجسدي حائرة بينه وبين يوسف. صرخت فيهم وعيني تفيض بالدموع:
“دم مين اللي بيتغسل؟ وعار إيه اللي بتتكلموا عنه؟! الراجل ده أشرف منكم كلكم! الراجل ده ملاك ربنا بعته من السما عشان ينقذ بنتي اللي كانت بتموت بالبطيء!”
في هذه اللحظة، وبشكل لم يتوقعه أحد، ظهرت **منة**.
جاءت تجري خلفي بعد أن علمت بالخبر. وقفت وسط الحارة، ورفعت قميصها قليلاً لتظهر لهم أثر جرح العملية الطويل الذي لم يبرأ تماماً بعد، وقالت بصوت متهدج ولكنه قوي:
“شايفين الجرح ده؟ ده مش جرحي لوحدي.. ده جرح ابنكم يوسف! ابنكم ما هربش عشان يضيع شرفكم، ابنكم ساب كليته هنا عشان يحيي نفس ماتت! ربنا بيقول (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).. ابنكم بطل، وأنتم جايين تقتلوه؟!”
حلّ صمت رهيب على الحارة. تراجع الرجل الكبير خطوة للخلف، ونظر إلى الجرح في بطن منة، ثم نظر إلى يوسف الذي كانت الدموع تسيل على لحيته بصمت. نظرات الصعايدة القاسية بدأت تتزلزل؛ فالكلام عن الشرف والدم اصطدم فجأة بآية قرآنية وبأثر تضحية إنسانية تهز الجبال.
تقدم رجل آخر منهم، يبدو أنه عم يوسف، ووضع يده على كتف كبيرهم وقال بصوت منخفض:
“خلاص يا حاج.. يوسف ما عملش العيبة. يوسف أحيا نفس.. ده واد صالح وعمل بأصلنا، الصعيد ما بيخلفش غير رجالة بتنقذ الناس.. بلاش نكفر بنعمة ربنا.”