اتبرع شخص حكايات روماني مكرم 2

تنفستُ الصعداء، وشعرت بجبل ينزاح عن صدري. يوسف نزلت دموعه رغماً عنه، حط الشنط على الأرض وحط إيده على وشه وهو بيردد:

“الستر من عندك يا رب.. كتر خيركم.. أنا مش عايز أكتر من أربعة جدران أداري فيهم راسي لحد ما أقف على رجلي.”

بدون تضييع وقت، نزلت رضوى ومعاها يوسف، وأنا ومنة جمعنا بسرعة ملايات سرير نظيفة، وبطانية، وشوية علب أكل مطبوخ وجبنة وعيش من الثلاجة. نزلنا وراهم، وطول الطريق في الحارة الضلمة، كنت بلقي نظرات حذرة حواليا، خايفة حد من الجيران يشوفنا ويسأل.

فتحت رضوى قفل الدكانة الحديدي. صرير الباب كان عالي في هدوء الليل. المكان كان مليان تراب وكراكيب كرتون، بس كان أمان. يوسف ساب الشنط وبدأ يشتغل معانا بهمة رغم تعبه. منة كانت بتناوله الحاجه وهي بتبتسم له، وأنا كنت ببص لوشه في نور اللمبة السهاري الضعيفة.. الراجل ده ملامحه أصيلة، ابن ناس وضاقت بيه، مش ممكن يكون نصاب أو بتاع حيل.

على الساعة واحدة بعد نص الليل، كانت الدكانة تحولت لأوضة بسيطة ومقبولة. يوسف قعد على السرير الحديد وهو بيلهث من المجهود، والتعب متمكن من ملامحه.

حطيت قدامه صينية الأكل وقلت له:

“كل لقمة يا بشمهندس، وخد علاجك ونام.. والصبح ربنا يحلها من عنده. إحنا أهلك من النهارده.”

بص لي ودموعه في عينه وقال:

“شكراً يا مدام أسماء.. أنا عمري ما هنسى لكم الستر ده.”

سبناه وقفلنا عليه باب الدكانة الحديد، ورجعنا بيتنا. منة نامت فوراً من كتر التعب، بس أنا ورضوى قعدنا في الصالة مش جاي لنا نوم. صاحيين لحد الفجر بنتكلم بصوت واطي.. إزاي هنساعده يلاقي شغل؟ وإزاي هنمشي في الحارة والناس بتسأل عن ‘الراجل الجديد’ اللي سكن في دكانة رضوى؟

مرت الأسابيع الأولى هادية. يوسف كان قليل الحركة، مبيخرجش غير للصلاة أو يشتري طلبات بسيطة. رضوى كانت بتبعت له أكل مع ابن اختها الصغير، وأنا كنت بتابع حالته الصحية من بعيد لبعيد، وبدأت ألاحظ إن ملامحه الشاحبة بدأت تروح، والدم رد في وشه تاني.

لحد ما جه يوم، بعد حوالي شهر ونص..

كنت في الشغل لما لقيت تليفوني بيرن، وكانت رضوى. صوتها كان فيه رعشة غريبة وخوف مش طبيعي.

رديت بسرعة: “في إيه يا رضوى؟ يوسف جرى له حاجة؟”

قالت لي وهي بتنهج وصوتها واطي كأنها بتستخبى:

“أسماء.. الحقيني وتعالي على الدكانة حالاً.. في تلات رجالة شكلهم غريب، لابسيبن جلاليب وصعايدة، واقفين بعربيتين دفع رباعي قدام الدكانة، ومعاهم سلاح مستخبي تحت الهدوم، وبيتخانقوا مع يوسف وصوتهم مسمع الشارع كله.. بيقولوا له ‘سلم نفسك بالذوق يا يوسف.. عارنا مش هيتغسل غير بدمك’!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *