اتبرع شخص حكايات روماني مكرم 2

سألته ونبضات قلبي تتسارع:

“وطيب.. عرفت عنواني منين؟ المستشفى مش بتطلع البيانات دي!”

ابتسم يوسف ابتسامة مريرة وقال:

“الجواب يا مدام أسماء.. الجواب اللي أنتِ كتبتيه وبعتيه للمستشفى. الممرضة لما ادتهوني، كانت ورقة الجواب مقطوعة من كشكول منة للمدرسة، وفي ضهر الورقة كان مكتوب جدول حصصها واسم مدرستها ‘مدرسة شبرا الثانوية بنات’.. واسمك بالكامل كان مكتوب تحت. أنا مهندس مساحة، وتتبع الأثر وسؤال معارف قدامى في المنطقة لحد ما وصلت لباب بيتك ماكانش صعب.. أنا ما لفتش وراكي بشر، أنا جيت للشخص الوحيد في الدنيا اللي حسيت إنه ممكن يفتكر لي الجميل ده وما يسبنيش أنام في الشارع.”

نزلت كلماته كالمطر الثقيل على صدري. الراجل ضحى بمستقبله، وبأهله، وبصحته، عشان بنتي تعيش وتضحك وتتخانق معايا في الصالة. إزاي أقفله الباب في وشه؟ لكن في نفس الوقت، النظرة الاجتماعية، وكلام الناس، ووجود شاب عازب في بيت امرأة مطلقة وبنتها المراهقة.. معادلة مستحيلة!

نظرت لرضوى، فوجدت في عينيها نفس الحيرة. التفتت رضوى ليوسف وقالت:

“يا بشمهندس يوسف.. أنت فوق راسنا، والجميل ده دين في رقبتنا ليوم الدين. بس أنت سيد العارفين، البيت هنا ميهوش رجالة، والناس في الحارة ما بترحمش.. مقعدك هنا ليلة واحدة هيجيب لأسماء وبنتها الكلام.”

انكسرت ملامح يوسف أكتر، وقام وقف وهو بيشيل الشنط بإيد بترتعش وقال:

“أنا أسف.. أنا أسف إني أحرجتكم. أنا بس ضاقت بيا ومفكرتش صح. أنا هأخد شنطي وأتصرف.”

في اللحظة دي، انفتح باب الغرفة بسرعة، وخرجت منة وهي بتبكي، وقفت قدام يوسف وقالت بصوت عالي وهي بتبصلي:

“لا يا ماما! مش هيمشي! الراجل ده جواه حتة مني.. أو أنا اللي جوايا حتة منه! لما كنت بموت، هو اللي حيا بيا الأمل.. مش هنسيبه يترمي في الشارع عشان كلام الناس!”

وقفت حائرة بين نداء الواجب والضمير، وبين الخوف من المجتمع.. وفي اللحظة دي، رضوى وقفت وقالت جملة غيرت مسار الليلة كلها:

“استنى يا يوسف.. الشنط دي مش هتطلع برا.. بس مش هتقعد هنا!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

نظرتُ إلى رضوى بلهفة، كأنني أتعلق بقشة في بحر هائج. التفت يوسف نحوها وهو ما زال ممسكًا بمقابض حقائبه، وعيناه المعلكتان بالخيبة التمعت فيها بارقة أمل ضئيلة.

قالت رضوى وهي تمسح على كتف منة لتهدئتها:

“أنا جوزي الله يرحمه سابلي دكانة قديمة تحت بيتي في الحارة اللي وراكم.. هي مقفولة بقالها سنتين، وفيها حمام صغير وحوض، وكنا بنستخدمها زي مخزن للكراكيب. مساحتها مش كبيرة، بس مستورة، وفيها مروحة وسرير حديد قديم كنا شايلينه هناك. هتنزل معايا حالاً يا بشمهندس، ننظفها ونفرشها لك، وتبقى قاعد في وسطنا، وتحت عينا، ومحدش يقدر يفتح بوقه بكلمة.. دكانة أخت أم منة، وأنت شغال معاها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *