تحليل dna حكايات روماني مكرم ١
Post Views: 213
جوزي بصلي بصدمة، وجمود ملامحه اتكسر وبان عليه التوتر. حماتي قامت وقفت، وقالت بصوت مسموع للكل:
ـ إنتي إيه اللي إنتي لابساه ده؟ مش أنا قولت الدهب ده أمانة عندي؟ إنتي إيه اللي جابك الأوضة عندي؟
بصيت لها في عيونها، ومن غير ولا رعشة في صوتي قولت:
ـ ده دهبي يا طنط.. وأمانة ربنا إني أحافظ على مالي وألبس اللي يخصني. أنا مش طفلة عشان أستأذن في حاجتي الشخصية.
البيت كله سكت، الصمت كان تقيل لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسي. جوزي قام وقف وقال:
ـ إنتي اتجننتي؟ اعتذري لأمي فوراً!
بصيت لجوزي، وبنبرة كلها ثقة ووجع ممتزج بالقوة قولتله:
ـ اعتذر؟ اعتذر عشان استرديت حقي؟ اعتذر عشان عايزة أحس إني ست في بيتي؟ يا فايق لو كنت عايزني في البيت ده كـ “خادمة”، فده مش الجواز اللي أنا دخلت عليه. ولو أهلك مش محترمين خصوصيتي، يبقى من حقي ألاقي البديل.
حماتي احمرّ وشها من الغيظ، وكانت هتنفجر، بس المرة دي، أنا ماخفتش. حسيت إن كل “التنازلات” اللي عملتها قبل كده كانت هي اللي مغذية جبروتهم، والنهاردة.. أنا اللي هحط القواعد.
حماتي وقفت مذهولة، عينيها بتطلع شرار، ووشها أصفر من الصدمة، كأنها مش مصدقة إن “العروسة المطيعة” اللي كانت بتدوس على كرامتها كل يوم، بقت واقفة بتبصلها في عينيها وبتهددها.
اتقدمت خطوة ناحيتها، وصوتي كان أوضح وأقوى من أي وقت فات:
ـ بصي يا طنط.. الدهب ده كان مجرد بداية، لكن اللي حصل من أول يوم دخلت فيه البيت ده كان إهانة لكرامتي وكرامة أهلي. أنا سكتّ عشان كنت بحاول أحافظ على العشرة، بس اتضح إن سكوتي كان مفسر عندكم على إنه ضعف. من اللحظة دي، أي قرش يخصني، وأي حاجة تخصني، هتفضل معايا. ولو فكرتوا تمدوا إيدكم تاني أو تفرضوا عليا قوانين تحرموني فيها من أبسط حقوقي.. أنا مش هسكت.
سكت لحظة، وبصيت لجوزي اللي كان واقف مصدوم، وكملت ببرود:
ـ ولو مش عاجبكم طريقتي، ومش قادرين تحترموا وجودي كـ “زوجة” وليها كيان.. فالحل بسيط. طلقوني، وادوني كل حقوقي والقايمة بتاعتي كاملة، وأنا هرجع لبيت أهلي معززة مكرمة.
كلمة “طلاق” و”قايمة” نزلت عليهم زي الصاعقة. في مجتمعنا، الكلمتين دول هما اللي بيخلوا أي حد بيفكر في “السيطرة” يراجع نفسه ألف مرة. حماتي، اللي كانت من ثواني بتزعق، صوتها اتخنق وبصت لابنها بخوف، لأنها عارفة إن ابنها مش هيعرف يدفع القايمة ولا هيتحمل فكرة الطلاق.
جوزي ملامحه اتغيرت تماماً، التوتر ظهر في حركاته، وبص لأمه نظرة سريعة، وبعدين بصلي وقال بتعلثم:
ـ طلاق إيه؟ إحنا ما قولناش طلاق.. إحنا بس كنا خايفين عليكي، وخايفين على مصلحة البيت..
قاطعته وأنا بصلهم هما الاتنين بصرامة:
ـ مصلحة البيت بتبدأ باحترام الناس اللي عايشة فيه. أنا مش جاية أخدم ولا جاية عشان يتصادر على مالي. من هنا ورايح، خصوصيتي خط أحمر. واللي مش عاجبه الكلام ده، الباب يوسع جمل.
حماتي حاولت تلم الموقف، بس كان واضح إن “هيبتها” اللي كانت بنيتها على الخوف اتكسرت في اللحظة دي. قعدت على الكرسي وهي بتتمتم بحاجات مش مفهومة، وجوزي نزل راسه، مكسور ومحرج، لأنه حس لأول مرة إن “السيطرة” اللي كانت في إيد أمه بدأت تفلت، وإنه قدام خيارين: يا إما يحترم مراته ويحميها، يا إما يخسرها ويدفع تمن استهتاره بمشاعرها.
طلعت شقتي وأنا حاسة بانتصار، مش بس عشان الدهب، لكن عشان “نفسي” اللي رجعتلي. كنت عارفة إنهم هيجبوا ورا، لأنهم بيحبوا “المظاهر” أكتر من أي حاجة، وفضيحة الطلاق والقايمة هي أكتر حاجة ممكن تكسر “بيت العيلة” اللي بيفتخروا بيه.
ساد صمت غريب في أرجاء البيت، صمت ما عرفهوش من سنين، وبدأت أصوات سلايفي تعلى تحت، وكأنهم فجأة لقوا في كلامي “المفتاح” اللي كانوا بيدوروا عليه.
قعدت فوق في شقتي، قلبي بيدق، بس المرة دي مش من الخوف، ده كان دقّات “نصر”. بعد نص ساعة، سمعت صوت “فايق” جوزي طالع على السلم، دخل الشقة وهو بيبص في الأرض، ووشه باين عليه علامات التوتر والارتباك.
قعد قدامي وقال بصوت واطي:
ـ يا سميحة، إنتي عملتي إيه في البيت؟ الدنيا مقلوبة تحت، وأمي مش على بعضها، وسلايفي بقوا بيطالبوا بحقوقهم، وأمي دلوقتي بتعيط وبتقول إني مراتي “بايظة” هي اللي شجعتهم عليا.
بصيت لـ “فايق” بثبات، وقررت إني مش هضعف تاني، وقلت له بنبرة قوية:
ـ يا فايق، أنا ما عملتش حاجة غير إني طالبت بحقي. اللي حصل إن الناس بدأت تفوق لنفسها. أنا مش جارية، أنا زوجة وليها كرامة وحقوق، وإذا كنت عايز بيتنا يفضل عامر، يبقى لازم تحترم خصوصيتي، ومش تسمح لحد يتدخل فيها.
فايق سكت، وما عرفش يرد، لأنه عارف من جواه إني صح. ومن تحت، بدأت أسمع صوت “منى” و”هالة” وهما بيتكلموا مع حماتي بصوت مسموع: “يا حماتي، إحنا تعبنا، والبيت ده لازم يمشي بالعدل، سميحة عندها حق في كل كلمة قالتها”.
حماتي حاولت تصرخ وتزعق، بس المرة دي، صوتها كان ضعيف، لأنها اكتشفت إن قوتها كانت “وهمية” ومبنية على خوفنا، ولما الخوف اتكسر، اتكسرت معاها كل قوانينها الظالمة.
البيت اتحول لـ “إضراب جماعي”؛ محدش نزل يخدم، ومحدش سلم مرتبه، وكل واحدة بقت بتطبخ في بيتها وخصوصيتها مصونة. حماتي لأول مرة قعدت لوحدها، وبدأت تفهم إنها لو استمرت في جبروتها، هتخسر ولادها، وهتخسر “بيت العيلة” اللي كانت بتبني عليه فخرها.
أنا وسميحة.. قدرت أخلي الكل يراجع نفسه. وقفت قدام فايق، وبصيت في عينيه وقلت له:
ـ يا فايق، أنا بحبك وعايزة أعيش معاك، بس مش هعيش وأنا مكسورة. لو عايزنا نكمل، البيت ده لازم يتغير، والخصوصية لازم تكون أساس حياتنا، وإلا… القايمة والطلاق هما اللي هيحلوا المشكلة.
فايق هز راسه بضعف، وبانت عليه الهزيمة، لأنه عرف إن “سميحة” اللي كانت بتسمع الكلام، مبقتش موجودة، وإن البديل ليها هي ست واعية، عارفة حقوقها، ومش هتقبل بأقل من التقدير.
ومن يومها، الحياة في البيت اتغيرت تماماً؛ حماتي بقت تحسب ألف حساب قبل ما تفتح بوقها، وفايق بقى بيحاول يرضيني بكل الطرق، وعرفوا كلهم إن “سميحة” لما بتفتح بوقها، الدنيا بتتهز.. ومش هتسكت أبداً عن حقها.