اتبرع شخص حكايات روماني مكرم 2

لم تمر سوى عشر دقائق كأنها دهر، حتى انفتح باب الشقة ودخلت رضوى وهي تنهج، وعيناها تلمعان بقلق غريزي. وضعت حقيبتها بسرعة وتوقفت في الممر المؤدي إلى الصالة، متأملةً ذلك الرجل الغريب الذي كان يجلس مطأطأ الرأس، واضعًا كفيه بين ركبتيه، يبدو ضئيلًا رغم بنيته، كأنه يحاول الاختباء داخل ملابسه الباهتة.

أشرت لرضوى بيدي فتبعتني إلى المطبخ. أغلقنا الباب الخشبي المتهالك نصف إغلاق، وهمست لها والدموع تجف على وجنتي من شدة التوتر:

“أنتِ شايفاه يا رضوى؟ هو ده.. هو ده اللي أحيا بنتي بإذن ربنا. جاي بشنط سفر وبيقول ملوش مكان ينزل فيه! أنا عقلي هيطير.. إزاي عرف طريقنا؟ والبيت ميهوش غيري أنا وبنتي!”

رضوى، بعقلها العملي الصارم، وضعت يدها على كتفي لتهدئتي وقالت بصوت خفيض:

” اهدي يا أسماء، اوزني الأمور. الراجل ده لحم بنتك من لحمه، لو كان نيتة شر ماكانش جه في النور وطلب الستر.. بس برضه إحنا في مجتمع ومينفعش يبيت هنا خطوة واحدة. تعالي نقعد معاه ونفهم الحكاية أولها من آخرها.”

خرجنا معًا إلى الصالة. كانت منة قد انسحبت إلى غرفتها بناءً على نظرة حازمة مني، لكنني كنت أعلم أنها تقف خلف باب غرفتها تسترق السمع.

جلسنا في المقابل منه. تنحنحت رضوى وقالت بنبرة تجمع بين الامتنان والحذر:

“يا أستاذ.. إحنا عاجزين عن شكرك، وفضلك ده فوق راسنا ليوم الدين. بس إحنا محتاجين نفهم.. أنت مين؟ وإزاي وصلت لهنا؟ وإيه اللي جاب شنطك لبيتنا؟”

رفع الرجل رأسه. كانت عيناه حمراوين من قلة النوم والانكسار. ابتلع ريقه وصوته خرج متحشرجًا:

“أنا اسمي يوسف.. مهندس مساحة. من سنة ونص، أبويا جاله فشل كلوي، وكنت جاهز أديله كليتي، لكنه مات قبل ما نعمل العملية بأسبوع. لما شوفت بنتك في المستشفى بالصدفة وأنا بخلص أوراق وفاتها، وشوفت البرطمان اللي بتجمع فيه الأساور.. افتكرت أبويا. حسيت إن ربنا مخليني أعيش عشان أنقذ البنت دي بالذات.”

سكت قليلاً، ثم تنهد بحسرة أكملت ملامح وجهه الشاحب:

“أهلي صعايدة.. وناشفين قوي في الأصول والعادات. لما عرفوا إني اتبرعت بحتة من جسمي لـ ‘بنت غريبة’ ومن غير فلوس، اعتبروني مجنون وضيعت صحتي وهيبتي. أخواتي قاطعوني، وأمي حلفوا عليا ما أدخل البيت. فوق كل ده، صاحب الشغل لما عرف إني هغيب فترة طويلة بسبب العملية، استغنى عني.. الفلوس اللي معايا خلصت على العلاج والإيجار، والنهارده الصبح صاحب الأوضة اللي كنت مأجرها طردني ورمى شنطي في الشارع.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *