اشتريت نفسى نورهان العشرى ٢
في اللحظة دي، عمي علي اللي كان قاعد جمبنا وبيهز في رجله بتوتر، مقدرش يستحمل الصمت المشحون دا، فك ياقة قميصه واتدخل بصوت مخنوق:
“يا ولاد.. استهدوا بالله، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فكروا كويس، في بينكم عشرة وأولاد، والبيوت مبيتهدش بالسهولة دي.”
قبل ما جواد حتى يفتح بوقه أو يفكر، رديت بلهفة وجمود، كلام طلع زي الرصاص قاطع لكل حبل رجوع:
“النصيب اتقطع لحد كدا يا عمي.. خلينا ننفصل وكل واحد يعيش حياته صح، ويعرف يلحق اللي فاته!”
حسيت أن كلمة “يلحق اللي فاته” نزلت على جواد زي الكرباج. الكلمة استفزته لدرجة إنه اتنفض في مكانه، وعينيه بقت تطلع شرار. هو فهم كويس أنا قاصدة إيه.. قاصدة إني كنت عايشة في سجن، وإني ندمانة على كل ثانية ضيعتها معاه، وإني هبدأ أعيش بجد بعد ما اخلص منه. حكايات نورهان العشري
جواد حس إن كرامته اتهانت في مق*تل، مكنش قادر يستوعب إن “ولاء” الجارية اللي كانت بتدور في فلكه، هي اللي مستعجلة على الخلاص. حبس غضبه المكتوم، ومكنش قادر يقلل من نفسه أو يبان ضعيف أو مكسور قدام عمي والمأذون.
بصلي بنظرة كلها غل وقسوة، وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت، وبصوت جهوري طالع من قاع قهر كبريائه قال:
“أنتِ اللي اخترتِ يا ولاء.. وأنتِ طالق.”
الكلمة طلعت منه.. رنت في ودني، هزت الجدران، بس مهزتش فيها شعرة. فضلت باصة في عينيه بنفس الابتسامة الباردة الساخرة، وقمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيتله النظرة الأخيرة وقُلت في سري:
“عهد عليا يا جواد.. هخليك تندم ندم عمرك. حكايات نورهان العشري
عدا شهر.. شهر كامل وأنا حابسة نفسي في الأوضة. الحيطان كانت بتضيق عليا، والليل كان بيمر عليا زي الموت البطيء. الشهر دا كنت بنام والدموع على خدي، وأصحى ألاقيها غرقت مخدتي من تاني. الوجع مكنش بيهدا، كان زي جمرة نار قايدة في نص صدري، كل ما أقول انطفت، تفتكر عيني لقطة القلم، أو رنة كلمته “أنتِ طالق”، فـ تولع من جديد. كنت ببص لنفسي في المراية وأحس بالشفقة والخزي، 15 سنة حب و8 سنين جواز خلصوا في قعدة مأذون مكملتش ربع ساعة!
وفي يوم، الباب خبط ودخل بابا. قعد جمبي على السرير، وبص في وشي الدبلان وعيني المنفوخة من العياط. خد إيدي بين إيديه وطبطب عليا بحنان أب عاش عمره كله يربيني عشان يشوفني ملكة، مش مكسورة بالمنظر دا. حكايات نورهان العشري
بابا اتنهد تنهيدة شايلة هموم الدنيا وقال بصوت قوي وفيه عشم:
“لحد امتى يا ولاء؟ لحد امتى هتفضلي دافنة نفسك بالحيا عشان خاطر واحد ميستاهلكيش؟ أنتِ بنتي أنا، ولاء الشاطرة، الذكية، اللي كان الكل بيحلف بأدبها وعقلها. فوقي يا بنتي وقومي على حيلك، الوجع مش عيب، بس الاستسلام ليه هو اللي غلط. أنتِ معاكي شهادة كبيرة، ليسانس حقوق يعني تقدري تقفي في المحاكم وتجيبي حق المظلومين، فما بالك بحقك أنتِ؟”