خطيب طليقتي 2 حكايات زهرة

افتكرت “عمر”، افتكرت السلاح الوحيد اللي ممكن ألوى بيه دراعهم وأكسر فرحتهم دي. جزيت على سناني وقولت بغل: “ماشي يا كريم.. ماشي يا نادين. مبروك عليكم بعض، اشبعوا ببعض. بس ابننا عمر… عمر مش هيعيش معاكم. أنا مش هسيب ابني يربيه أخويا وياخد مكاني في حياته. أنا هاخد عمر معايا برة مصر، وهرفع قضية ضم حضانة، وهتشوفوا هعمل إيه!”
​كنت فاكر إن الجملة دي هتهز كريم، أو تخليه يتراجع عشان يتجنب الفضيحة والمشاكل العائلية، خصوصاً إننا شركاء في شركة كبيرة ولينا اسمنا. لكن كريم ابتسم ابتسامة باردة، هز راسه بأسف وكأنه كان متوقع مني الرخص ده.
​كريم قرب مني أكتر، لحد ما بقت المسافة بيننا شبر واحد، ووطى صوته بس كلماته كانت بتنزل على دماغي زي المطارق:
“قضية حضانة؟ وسفر برة؟ إنت لسة مغرور ومبتعلمش يا سليم. فاكر إن الفلوس والنفوذ اللي معاك برة هما اللي هيخلوك تتحكم في رقاب الناس؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ الشغل اللي برة، والشركة اللي إنت عايش في خيرها وبتكبر فيها بقالك سنتين… دي قايمة على اسمي وفلوسي وعلاقاتي أنا. أنا اللي سايبلك الإدارة وسايبلك الحبل على الغارب عشان قولت أخويا الصغير وبيمر بظروف نفسية وصدمة بعد طلاقه.”
​جسمي سقع، وبدأت ملامح الخوف تظهر على وشي، فكريم كمل بكل حسم وقوة مفيهاش تراجع:
“اسمعني كويس يا ابن أبويا، والكلمتين دول هما أولهم

وآخرهم: خطوة واحدة ناحية المحاكم، أو تفكير بس إنك تلمس شعرة من عمر أو تضايق نادين… هفسخ الشراكة اللي بيننا فوراً. هسحب اسمي ونصيبي من الشركة اللي برة. وطبعاً إنت عارف السيستم هناك، وعارف إن العقود مكتوبة إزاي. لو سحبت حقي، الشركة دي هتقع في ثانية، وهتتقسم بالنص رسمي وقانوني، وبدل ما إنت رئيس مجلس إدارة وليك برستيجك، هتبقى مجرد موظف أو شريك صغير ملهوش لازمة، وتاريخك كله في الغربة هيتمحي.”
​برقت عيني بذهول وقولت بصوت مخنوق: “إنت بتلوي دراعي يا كريم؟ بتبيع أخوك عشان ست؟ عشان شركة؟”
​كريم رد بجمود وصرامة: “أنا مابيعش أخويا، إنت اللي بعت نفسك لما جيت تدوس على حقوق غيرك. أنا بخيرك يا سليم… إنت طول عمرك بتموت في الفلوس، والمنصب، والشركة، وكنت دايماً بتبدي شغلك على بيتك ومراتك لحد ما خسرتهم. أهو أنا بنفذلك رغبتك. سيب نادين في حالها، وسيب ابنك يعيش في حضن أمه مستقر، وسافر كمل مجمعاتك وشركتك وبرستيجك… أو… عاند، واطلب عمر، وخلينا ندخل المحاكم والمحاميين، وساعتها هاخد نصيبي من الشركة برة وجوه، وهقعدك هنا على الحديدة، وللعلم… برضه مش هتاخد عمر، لأن القانون هنا في صف الأم، وأنا ضهرها ومش هسيبها.”
​الكلام صدمي لدرجة إني حسيت إن الأكسجين هرب من المكان. بصيت لنادين، لقيتها واقفة بتبصلي بنظرة شفقة… آه، الشفقة دي كانت أصعب من نظرة الكره. نادين اللي كانت بتترجاني زمان عشان أقعد معاها ساعة، دلوقتي بتبصلي كأني حشرة ضعيفة مغلوبة على أمرها.
​وبصيت لكريم… أخويا الكبير اللي كنت فاكره هيهاب الخلافات، لقيته واقف زي السد المنيع. كان بيتكلم بجدية كاملة، وعرفت من عينيه إنه مش بيهدد وبس، كريم لو نفذ كلامه، أنا هتدمر برة وجوه. شغلي، مكانتي وسط رجال الأعمال، حياتي اللي بنيتها في الغربة وعوضت بيها نقصي… كل ده هيروح في ثانية.
​وقفت في نص المحل، والورد اللي حواليا اللي كان دايماً يرمز للحب، حسيت إنه بيكتم أنفاسي. كنت بين نارين: نار كبريائي وعنادي وإني أصر على آخد عمر وأخرب عليهم فرحتهم، ونار خسارة كل ثروتي ومكانتي وسقوطي من البرج العالي اللي بنيته لنفسي.
​وفي اللحظة دي، اللحظة اللي المفروض الأب يضحي بكل حاجة عشان ابنه… ظهرت حقيقتي العارية قدام نفسي. أنا فعلاً بني آدم أناني، بحب نفسي وبس. الخوف على المنصب والفلوس والشركة شل حركتي تماماً. عقلي الباطن بدأ يحسبها: “لو خسرت الشركة هخسر كل حاجة، لكن عمر… عمر كده كده مع أمه وأخويا، يعني في أمان”. كنت ببرر لنفسي وساختي وأنانيتي.
​كريم شاف اللمعة دي في عيني، لمعة التراجع والخوف على الفلوس، فابتسم ابتسامة سخرية خفيفة وقال: “ها يا سليم؟ قولت إيه؟ الطيارة اللي جابتك تقدر ترجعك، والقرار في إيدك”.
​رجعت خطوة لورا، وأنا حاسس بصغر حجمي وقزميتي قدامهم. بصيت للأرض، ومقدرتش أرفع عيني في عين كريم ولا نادين. الندم والغل والخزي اتجمعوا كلهم في قلبي في وقت واحد.
​قولت بصوت واطي ومبحوح، وأنا بحاول ألم الباقي من كرامتي المتدمرة: “الشركة تفضل زي ما هي يا كريم… أنا مش هعمل مشاكل. عمر هيفضل مع أمه… بس عشان مصلحته هو، مش عشان تهديدك”.
​نادين مأبدتش أي رد فعل، ولا حتى فرحت، كأنها كانت عارفة ومأكدة إني هختار الفلوس في النهاية، وده كان الوجع الأكبر؛ إنها كشفاني وعارفة رخصي.
​كريم هز راسه وقال: “طول عمرك عملي يا سليم، وبتعرف تختار مصلحتك فين. سافر يا أخويا، كمل حياتك اللي اخترتها، وسيبنا نعيش الحياة اللي إنت معرفتش قيمتها”.
​لفيت ضهري ومشيت. خرجت من المحل وأنا بجر رجلي بالعافية. الهوا برا كان بارد، بس جوايا كان في نار بتاكل في كل حتة فيا. مشيت في شوارع القاهرة وأنا حاسس إني غريب، مكسور، ومخذول… بس الخذلان المرة دي مكنش من حد تاني، الخذلان كان مني أنا لنفسي.
​أنا اللي خسرت البنت اللي كانت بتموت فيا، وخسرت أخويا اللي كان سندي، وخسرت ابني اللي اتخليت عنه في أول مواجهة عشان خاطر الفلوس والمنصب. رجعت المطار، ركبت طيارتي وراجعت لغربتي… بس المرة دي وأنا عارف، إني ميت من الجوايا، وإن الشراكة والشركة والفلوس اللي راجعلهم، هما مجرد كفن غالي لواحد ضيع كل حاجة حقيقية في حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *