انا حامل حكايات روماني مكرم 1

انقض محمود عليها وأمسكها من شعرها بقسوة وجذبها لتعتدل أمامه وهو يصرخ في وجهها:

— “انطقي يا فاجرة! مين اللي دخل هنا في غياب أخويا؟ مين اللي غفلنا كلنا ووسخ اسم العيلة؟ انطقي بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيعرفلك طريق!”

ندى كانت تصرخ من الألم والخوف، تحاول تخليص شعرها من قبضته القوية وهي تصيح بنبرة مقهورة:

— “والله العظيم مظلومة يا محمود! والنعمة الشريفة ما حد لمسني ولا شوفت راجل غير كريم! اسمعني يا محمود، أنا مخرجتش من البيت، أنت نفسك كنت بتجيب كل حاجة.. فتش في التليفون، فتش في أي حاجة، بس تظلمنيش!”

تدخلت الحاجة فاطمة وهي تصرخ من وراء محمود:

— “بتتحامى في مين يا بت؟ ده محمود نفسه اللي كان فاكرك شريفة! انطقي قولي مين اللي سلمتيله نفسك؟”

رمى محمود ندى على الأرض بقرف، فارتطم رأسها بحافة الفراش الخشبي لينزف جرح صغير عند جبهتها. وقف ينظر إليها بأنفاس متلاحقة، ورغم كل الغضب الذي كان يعميه، إلا أن نبرة صوت ندى الصادقة وانهيارها وجسدها الذي كان ينتفض كعصفور بلله المطر، جعلت الشك يتسرب إلى قلبه بطريقة أخرى.

نظر محمود إلى التحليل مرة ثانية، ثم نظر إلى ندى المستلقية على الأرض تنشغ بالبكاء، وقال بنبرة حادة لكنها أقل حدة من السابق:

— “انتي بتقولي التحليل غلط؟”

ندى رفعت رأسها والدموع تمتزج بالدم النازف من جبهتها:

— “أيوة غلط يا محمود.. أكيد المعمل غِلط، أو العينات اتبدلت.. أنا مستعدة أروح معاك لأي دكتور، مستعدة أموت لو ثبت عليا حاجة.. بس تودونيش في داهية وأنا بريئة.”

نظرت الحاجة فاطمة لوليدها محمود ووجدت في عينيه تردداً، فصاحت به:

— “أنت هتصدق الصعبانيات دي يا محمود؟ دي بتمثل علشان تفلت بجلدها!”

محمود أشار لوالدته بيده لتصمت، ثم التفت لندى وقال وعيناه تثبتان في عينيها مباشرة:

— “قومي اقفي.. وقومي البسي هدومك حالا.”

ندى شهقت بخوف:

— “هتوديني فين يا محمود؟”

محمود صك على أسنان وقال بنبرة حاسمة:

— “هناخدك دلوقتي حالا على أكبر مستشفى ومعمل تحاليل في المحافظة.. هنعملك تحليل دم رقمي وإشاعة تلفزيونية، ولو طلع التحليل التاني إيجابي زي ده.. يبقى تقري على نفسك الفاتحة، لأنك مش هتشوفي برة الأوضة دي تاني وعارك هيتغسل بدمك.”

نهضت ندى بسرعة البرق وهي تمسح دماء جبهتها بطرف طرحتها، ولم تتردد للحظة بل قالت بلهفة وثقة نابعة من براءتها:

— “أنا جاهزة.. ويالا بينا دلوقتي قبل بكرا، وربنا هو المطلع على شرفي.”

نزل الثلاثة من المنزل وسط نظرات الجيران المتسائلة من حركة محمود السريعة ووجه ندى الشاحب المغطى بآثار البكاء. ركبوا السيارة وتحرك محمود بأقصى سرعة نحو المستشفى المركزي، بينما كانت ندى جليسة الكرسي الخلفي تدعو الله في سرها وتناجيه، والحاجة فاطمة تجلس في الأمام وعيناها تترقبان اللحظة التي تنتهي فيها هذه الرحلة لتنكشف الحقيقة كاملة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *