سلفتي زهرة الربيع ٢
“مش هتظلمني يا حبيبي، ومش هتكسر كلام أمك بالخناق. إحنا هنمشي.”
— “نعم؟! نمشي نروح فين؟ نسيب بيت العيلة؟”
— “أيوة.. هنروح بيت المزرعة اللي على أطراف البلد. البيت ده بتاعك أنت ورثته عن أبوك، ومقفول بقاله سنين، والأرض هناك محتاجة اللي يقف عليها ويراعيها بدل ما إحنا سايبينها للمستأجرين ومبناخدش منها غير الفتافيت. هناك هنعيش في هدوء، نربي عيالنا بعيد عن الغل والتلقيح، وأهو بالمرة تباشر شغلك وأرضك بنفسك.”
إيهاب سكت شوية، واللمعة ظهرت في عينيه. الفكرة كانت بمثابة طوق نجاة ليه من الجوازة المفروضة عليه ومن قهر أمي ليه. بصلي بإعجاب وقال:
— “والله يا ابتسام إنتي دماغك دي تتوزن بالدهب! بس أمي مش هتنزل العفش ولا هتوافق إننا ننقل.”
ابتسمت بخبث وقولتله:
— “العفش ده بتاعي وبفلوسي وبجهازي، ومحدش ليه كلمة عليه. أنا
كلمت أخويا من ساعة، واتفقت معاه يجيب عربيات نقل ورجالة شداد من الفجر، وهيجوا يقفوا تحت البيت. أول ما النهار يشقشق، الرجالة هيدخلوا يشيلوا كل حاجة. إنت بس خليك طبيعي، وأول ما تسمع الهيصة، سيب الباقي عليا.”
إيهاب مرتاحش تماماً غير لما حس إن فيه خطة حقيقية هتنقذه، وافقني ونام وهو حاسس إن الحمل انزاح من على كتافه.
زلزال على السلم وهدير العربيات
نرجع بقى للمطبخ.. الصبح طلع، وسمر واقفة قدامي بعبايتها الملونة ومكياجها الفاقع، بتبصلي بنظرة انتصار مسمومة. وفجأة، الشارع كله اتقلب!
صوت كلاكيس عربيات نقل تقيلة، وزعيق رجالة، وهبص وهب بوم.. خبط رزع على البوابة بتاعة بيت العيلة تحت. الأصوات كانت عالية لدرجة إن البيت كله اتهز.
سمر اتخضت ولفت وشها للشباك، وحماتي طلعت جرى من أوضتها وهي بتعدل طرحتها ومخضوضة:
— “في إيه؟ إيه الهيصة اللي برة دي؟ مين اللي قالب الشارع على الصبح كدة؟”
في اللحظة دي، الباب الخارجي اتفتح ودخل أخويا ومعاه خمس رجالة من بتوع النقل، صحتهم ما شاء الله تسد عين الشمس. أنا سيبت اللي في إيدي، وطلعتلهم الصالة بكل برود وثقة، وبصيت للرجالة وقولت بصوت عالي سَمّع البيت كله:
— “يلا يا رجالة.. همتكم معايا! دي شقته، انقلوا كل العفش ومتسيبوش فيها الهوا!”
الكل اتصدم! سمر بلمت وبقت تبصلي وتبص للرجالة وهي مش فاهمة حاجة، وحماتي حطت إيدها على صدرها ووشها اتقلب ألوان. الشخص الوحيد اللي كان واقف هادي ومبتسم في سرة هو إيهاب، اللي طلع من الأوضة وعمل نفسه متفاجئ بس من غير صدمة، ووقف يتفرج على المشهد.
الرجالة بدأوا يدخلوا الأوض ويشيلوا الكراسي والشنط اللي أنا كنت مجهزاها من النجمة من غير ما حد يحس.
وقفت سمر وحماتها مبلمين تماماً، والذهول شل لسانهم لثواني، لحد ما حماتي استجمعت شجاعتها وزعقت بصوت زلزل المكان:
— “جرى إيه يا بت إنتي وهي؟ إيه اللي بيحصل ده؟ عفش إيه اللي يتنقل؟ وإنت يا إيهاب واقف زي الطور الله ينور مش بتتكلم ليه؟!”
سمر قربت وهي هتموت من الغيظ والفضول وسألت بنبرة مرعوبة:
— “في إيه يا ابتسام؟ إنتي بتعملي إيه بحاجتك؟ وواخدة العفش ورايحة فين؟”
بصيتلهم بكل هدوء، وعدلت وقفتي وقولت بنبرة واضحة ومسموعة:
— “أنا وإيهاب وعيالنا قررنا ننتقل لبيت المزرعة.. ومنها كمان نخلوا بالهم من المزرعة والأرض اللي اأهملت بقالها سنين.”
الحما والست سمر اتفاجأوا صدمة عمرهم، وحماتي وشها احمر وعروق رقبتها ظهرت، وقالت بغضب وعصبية أعمى:
— “تنقلوا فين وتغوروا فين؟! هتنتقل ازاي وانت ه تتجوز مرات اخوك؟! إنت اتجننت يا إيهاب؟ هتسيب أمك وتجري ورا كلام مرتك؟”