باع العشره ١ قصص وروايات أمانى سيد

لآخر لحظة كنت بترجاه إنه يحافظ على البيت.. لآخر لحظة بقوله اشتريني أنا وأولادك وما ترميش ودنك لأمك وتتوجوز واحدة تانية.. كنت بعيط وبقوله الولاد مالهمش ذنب، بس للأسف هو كأنه مش سامع ولا شايف، ماشي في طريق وعايز يعمله.”
وقفت قدامه ودموعي مغرقة وشي، كنت حاسة إني “قليلة” أوي وأنا بستجدي منه حتة حنية أو لحظة عقل. مسكت في إيده بقلب محروق وقلت له بصوت مرعش:
​”يا خالد، البيوت مش لعبة، والولاد دول ذنبهم إيه يعيشوا وأبوهم عقله مع واحدة تانية عشان يرضي ستك الوالدة؟ أنا صنتك وشلت اسمك وشلت أهلك في عيني، متهونش عليك العشرة كدة!”
بص لي ببرود يقتل، شال إيدي من عليه وكأنه بيبعد “حشرة” مضايقاه، وقام لبس جاكت بدلته وهو بيبص في المراية بيظبط نفسه لعروسته الجديدة، وقال بنبرة ميتة:
​”خلصنا يا ابتسام.. أمي قالت إن الست اللي ما تملي عين جوزها وتعرف تكسب أهله، يبقى لازم يجي فوقيها ست ستها. أنا مش هرمي ولادي، بس حياتي الخاصة ملكي أنا، والشرع حلل لي أربعة.”
رزعة الباب وراه كانت “رصاصة الرحمة” اللي موتت كل حاجة حلوة جوايا تجاهه. قعدت على الأرض في الصالة، الضلمة بدأت تنهش في الحيطان، وصوت ولادي وهم نايمين بيحلموا ببكرة كان بيقطع في فروة راسي.
بصيت لإيدي اللي كانت لسه بتترعش مكان ما لمسته، وقلت بحرقة:
​”بعتني يا خالد.. بعت اللي باقيت عليك وعلى عيالك عشان خاطر كلمة اتقالت لك في ساعة لئيمة. يا رب، أنت شايف وعارف إني ما قصرت، اجبر خاطري المنكسر ده.”
الرزعة دي مكنتش مجرد باب اتقفل، دي كانت الحقيقة المرة اللي بتلطشني على وشي عشان أفوق.
فضلت مكومة مكاني على الأرض، مش حاسة بالوقت، بس حاسة بكل خلية في جسمي بتترعش من القهر. فجأة، سمعت صوت خروشة جاية من طرقة الأوض.. رفعت راسي بلهفة، قولت يمكن رجع! يمكن قلبه حنّ!
بس اللي ظهرت كانت “حماتي”.
دخلت الصالة وهي بتعدل طرحتها ببرود مستفز، وبصت لي من فوق لتحت وهي بتلوي بوزها:
​”ما كفاية بقى ملوحة ونواح يا ابتسام! الرجالة ما بتجيش بالدموع والتلزيق ده. خالد رايح يشوف حاله، رايح للي تعرف تبسطه وتريح باله، مش اللي منكدة عليه ليل نهار بالطلبات والعيال.”
قمت وقفت، وبصيت لها وعيني فيها شرار من كتر الوجع:
​”بسطته يا طنط؟ ولا قصدك رايح للعروسة اللي إنتي نقتيها له بالشوكة والسكينة عشان تكسري بيا؟ ده أنا شيلتك في تعبي قبل راحتي، ده جزائي؟”
ضحكت ضحكة صفرا وقربت مني، وهمست في ودني بكلام زي السم:
​”الجزاء من جنس العمل يا حبيبتي.. إنتي اللي فكرتي إنك ملكتيه بالعيال والبيت، ونسيتي إن ابني طول عمره “ودني” وبيسمع لي أنا.. وبكرة لما يشوف الدلع الجديد، مش هيفتكر حتى كان مسميكي إيه في تليفونه.”
سابتني وخرجت وهي بتدندن بصوت واطي، وكأنها لسه مخلصة مهمة قومية ونجحت فيها.
لقيت نفسي لوحدي في الصالة، البيت اللي كان دافي بقى بارد زي القبر. دخلت أوضة الولاد، بصيت عليهم وهم نايمين، برائتهم كانت هي السكينة اللي بتدبحني.. هقولهم إيه لما يصحوا؟ هقولهم بابا راح يرضي تيتة ويتجوز واحدة تانية؟
فتحت الدولاب وطلعت شنطة هدومي، بس إيدي وقفت.. أنا لو مشيت هبقى حققت لها اللي هي عايزاه، ولو قعدت هبقى بموت في اليوم ألف مرة.
السكوت اللي عمّ البيت بعد خروج حماتي كان أرذل من كلامها.. سحبت نفسي ودخلت المطبخ، مش عشان أعمل حاجة، بس عشان أبعد عن “ريحة” وجودها اللي لسه كاتمة على نَفَس الصالة.
سندت راسي على الرخامة الباردة، وغمضت عيني.. شريط حياتي كله عدى قدامي. افتكرت لما كان خالد بيحلف بيا، لما كان بيقولي “إنتي الأمان يا ابتسام”. إيه اللي غيره؟ هل فعلاً الودن بتعشق قبل العين زي ما بيقولوا؟ ولا هو كان هش من البداية وأنا اللي كنت ساندة على حيطة مايلة؟
فجأة، تليفوني نور.. بصيت فيه بلهفة، كان هو! بعت رسالة قصيرة:
“أنا مش هقصر في مصاريف الولاد، والبيت هيفضل باسمك عشانهم، بس يا ريت ما تحاوليش تتصلي بيا الفترة دي.. أنا محتاج أبدأ صفحة جديدة بعيد عن النكد.”
صفحة جديدة! والولاد؟ والصفحات اللي اتقطعت من عمري وأنا بخدمه وبخدم أمه؟
مسكت التليفون وكنت هكتب له كلام يحرقه، بس مسحت كل حاجة.. الكرامة لما بتتهان، مفيش كلام بيرجعها.
قمت، غسلت وشي بمية تلج عشان أفوق، وبصيت لنفسي في مراية المطبخ.. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم والهم، بس فيه نظرة “غل” بدأت تلمع في عيني لأول مرة.
قلت لنفسي بصوت واطي:
​”ماشي يا خالد.. ماشي يا طنط.. إنتو اللي اخترتوا البداية دي، بس أنا اللي هرسم النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *