بعد تلات سنين من اليوم اللي مضيت فيه قسيمة طلاقنا، مكنش ورايا غير سؤال واحد هيموتني يا ترى ندى عايشة إزاي دلوقتي؟ لكن بعد ساعة واحدة بس، التقرير اللي جابهولي كريم، المساعد بتاعي، خلاني زي الصنم في مكاني، ومش قادرة رجلي تشيلني. طلعت خلفت تآوم.. ولد وبنت! كريم حط الصورة قدام عيني على المكتب وقال لي دلوقتي العيال عندهم سنتين ونص يا فندم. دي أحدث صورة ليهم. الولد والبنت سبحان الله.. فولة واتقسمت نصين منك، شبهك بشكل مش طبيعي. ممدتش إيدي أخد الصورة. سندت ضهري على الكرسي الجلد، وصوابعي بدأت تخبط على المكتب من غير ما أحس كنت ملهوف اشوفهم بس مش عايز ابين....طول عمري مولود وفي بقي معلقه دهب ويمكن ده السبب اللي بيخليني ديما اتعالى على الكل وده سبب طلاقي من ندى . كريم فضل واقف في مكانه مادد إيده بالصورة، لا عارف يرجعها ولا قادر ينطق بكلمة يستعجلني فيها. الصوت في المكتب كان هسس، مفيش غير صوت التكييف المركزي وهو شغال بهدوء. بعد فترة طويلة، نطقت أخيرًا وصوتي كان مخنوق وطالع بالعافية من زوري أنت متأكد من الكلام ده؟ كريم ساب الصورة على المكتب وقال هو لسه مفيش تحليل DNA بس... حضرتك بص عليها وهتعرف بنفسك. فضلت متنح، وعيني نزلت على الصورة. في كادر الإضاءة فيه جاية من الضهر، كانت في ست زي الورد بتزق عربية أطفال دبل بتاعت تآوم تحت شجر الكافور في ممشى أهل مصر. كانت خاسة جداً عن زمان، ووشها بقى أرفع ومقسّم، وشعرها اللي كان واصل لحد ضهرها زمان، قصته خالص. بس عرفتها من أول نظرة.. دي ندى.. طليقتي. العيال في العربية كانوا لابسين كابات من الشمس، فوشهم مش باين أوي، سألته وأنا باصص للصورة هي سابت القاهرة من إمتى؟ يوم ما خلصتوا ورق الطلاق علطول، بعد الظهر. في نفس اليوم؟! آه يا فندم. كريم فتح الملف اللي معاه وكمل الساعة حداشر الصبح كنتوا مخلصين عند المأذون. طلعت على الشقة لمت هدومها، وكانت جابت شركة نقل عفش، وعلى الساعة تلاتة العصر كانت راكبة قطار ومسافرة على إسكندرية. أنا فاكر اليوم ده دقيقة بدقيقة. بعد ما طلعنا من عند المأذون، ركبت عربيتي وجريت على الشركة عشان كان عندي اجتماع دمج شركات وملايين واقفة عليه. قدام باب المأذون، ندى مقالتليش غير كلمة واحدة أشوف وشك بخير يا شريف. وأنا حتى مكالفتش نفسي أبص ورايا، ركبت وعربيتي طارت. ساعتها قلت لنفسي دي حركات ستات، هتتقمص وتزعل لها يومين وتستناني أروح أصالحها رغم اننا اطلقنا بس كان كبريائي بيقولي انها برده هتستناني. بس المرة دي، مكنش فيه رجوع. سألته العيال اتولدوا إمتى؟ بعد الطلاق بست شهو في إسكندرية. ولد وبنت، صوابعي وقفت عن التخبيط فجأة. بعد ست شهور من الطلاق؟! يعني ندى لما مشيت كانت حامل.. يعني العيال دول اتكتبوا وهم لسه على ذمتي وبعقد شرعي! غمضت عيني ببطء، وذكريات من تلات سنين فاتت هجمت عليا زي الموج. كانت علطول بتموت من الغثيان وبترجع.. وأنا كنت بقولها ده تلاقيه بس قولون عصبي ولا معدتك واخدة برد. فاكر لما قالتلي عايزة أروح المستشفى أكشف. رديت عليها ببرود روحي لوحدك يا ندى، أنا عندي اجتماع مهم الصبح. وفي مرة طلعت من الحمام ماسكة في إيدها اختبار الحمل.. وأنا كنت بتكلم في التليفون مع عميل كبير، شاورت لها بإيدي كأني بقولها اطلعي برة دلوقتي مش فاضي. فاكر في فترة جوازنا .. أمي الحاجة نادية جت الشقة، وقعدت تقولنا بقالكم سنتين متجوزين ومشفتش حتة عيل، العيب من مين؟ وأجبرت ندى تروح تكشف. ندى قعدت على الكنبة ساكتة، من طبعها مابتوجعش دماغها بالجدال، وأنا اعتبرت سكوتها ده إقرار منها إن العيب فيها! ومش بس كده.. أومي بدأت تجيب لها أعشاب ووصفات من العطار عشان تجهيز الرحم. كل يوم تلات كوبايات حاجات مرة تقرف النفس. ندى كانت بتشربها والدموع نازلة من عينها جمر. وأنا في وسط كل ده، عمري ما سألتها مرة واحدة مالك يا بنتي؟ فيكي إيه؟ شريف بيه؟ صوت كريم رجعني للواقع، تحب نكمل تدوير وراها؟ فتحت عيني، مسكت الصورة وعملت زووم على وش البنت الصغير. وشها مدور ومسمسم.. مناخيرها واقفة.. وضحتكها فيها هلال صغير.. شبه ندى.. بس فيها كتير من صورتي وأنا عيل صغير. حدفت الصورة على المكتب وقلت له دور.. اقلب الدنيا عليها. عايز أعرف تلات سنين دول عاشتهم إزاي، ساكنة فين، بتشتغل إيه، وبتكلم مين.. كل نفس بتنفسه يجيلي بيه تقرير. حاضر يا فندم. استنى عندك! ندهت عليه وهو لسه بيلف ضهره محدش يعرف بالموضوع ده، فاهم؟ كريم هز دماغه وخرج وقفل الباب وراه. ، تليفوني اتهز. رسالة من أمي تعال اتعشى معانا النهاردة يا شريف، بنوتة طنط وفاء لسه راجعة من بعثة في إنجلترا، قمر وزي الفل، شوفها كده ويمكن ترتاح لها. رميت الموبايل على المكتب ومردتش. لو الحاجة نادية عرفت إن عندها حفيد وحفيدة هتعمل إيه؟ لأ.. مش لازم تعرف دلوقتي خالص. أنا حافظ أمي وعارف دماغها؛ لو عرفت، أول حاجة هتعملها هتروح إسكندرية جيب العيال وتطرد ندى في الشارع.. زي ما عملت زمان. فتحت درج المكتب التحتاني خالص، وجبت القسيمة. قسيمة الطلاق. فتحتها وبصيت في صورتها؛ كانت لابت قميص أبيض ولمة شعرها ديل حصان. ضحكتها في الصورة كانت مكسورة تكسر القلب. وافتكرت وهي بتمضي، إيدها كانت بترتعش. ساعتها قلت دي خايفة ولا متوترة.. متوترة إيه! دي كانت شايلة في بطنها حتتين مني! قعدت لوحدها في المحكمة.. مضت لوحدها.. وبصمت لوحدها.. ولمت شنطها وراحت محطة رمسيس لوحدها.. وولدت في الغربة لوحدها! افتكرت آخر كلمة قالتها ليا وهي ماشية بكرة تندم يا شريف.. والأيام بيننا. أهو ندمت.. ندم العمر كله.. بس الندم ده هيفيد بإيه دلوقتي؟ العيال بقوا سنتين ونص، يا ترى بيقولوا لراجل تاني يا بابا؟ هي ندى اتجوزت؟ ولو اتجوزت،لا معقوله تتجوز غيري كل ما أفكر، دمي يغلي أكتر. قمت وقفت قدام الواجهة الإزاز بتاعة المكتب الكبيرة اللي كاشفة المهندسين كلها فتحت الأسماء، وجبت رقم ندى. تلات سنين مرفعتش عليها سماعة التليفون، ومأعرفش الخط لسه شغال ولا رمته في البحر. دوست اتصال.. الخط فتح! ألو؟ بس الصوت اللي رد مكنش صوت ندى.. كان صوت راجل! إيدي قفشت على الموبايل لدرجة إن ضوافري علمت في جلد جراب التليفون، وقلت بحدة عايز أكلم ندى الشافعي. مين معايا؟ أنا جوزها القديم. الناحية التانية سكتت ثانيتين.. وبعدين الراجل ضحك ببرود مستفز وقال لي طليقها يعني؟ طب يا كابتن أنت نمرتك غلط، ده تليفون مراتي. وقفل السكة في وشي! عروق إيدي اتنفخت من كتر الغيظ. مراته؟! ندى اتجوزت بجد؟! طب والعيال؟ بيقولوا للراجل ده يا بابا؟! أخدت جاكيت البدلة وطلعت أجري برة المكتب. السكرتيرة قامت مخضوضة وسألتني شريف بيه! رايح فين؟ على إسكندرية. بس حضرتك عندك ميعاد بالليل مع... إلغي كلووو! مشيت لا جريت كنت بغلي من جوايا طول الطريق ...اقل من تلت ساعات وكنت قدام بيتها ضربت جرس الباب وفضلت مستني على نار واول ما الباب اتفتح اتجمدت زي الصنم والصدمه شلت كل كياني من اللي شوفته !!!!!!! الباب اتفتح ببطء.. والراجل اللي كان واقف قدامي مكنش غريب عليا. ده كان حازم.. ابن خالة ندى! الراجل اللي كنت دايماً بشوفه بنظرة تعالي، وبقول عليه موظف غلبان على قده لما كان بيجي يبارك لنا في المناسبات. كان واقف لابس تيشرت بيتي، وفي إيده فوطة صغيرة بيمسح بيها إيديه، ووراه صوت ضحك عالي لعيال صغيرة بتجري وتلعب. حازم أول ما شافني، ملامحه اتغيرت من الهدوء للجمود التام. سد الباب بجسمه وبص لي من فوق لتحت وقال بنبرة مفيهاش أي ترحيب شريف؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنا كنت بغلي، الدم طار في عروقي وبقيت مش شايف قدامي. زقيته بكتفي ودخلت الصالة وأنا بزعق بعلو صوتي ندى فين؟! ندى فييييين يا حازم؟ وبنت مين اللي مراتك؟ أنت اتجوزت طليقتي؟ اتجوزت أم عيالي يا واطي؟! الصالة كانت دافية، ريحتها شبه بيوت زمان، أثاث بسيط بس مريح للعين. وفي ثانية، الصوت قطع. العيال اللي كانوا بيجروا استخبوا ورا الكنبة، وطلعت ندى من المطبخ.. كانت لامة شعرها القصير، ولابسة فستان قطن بسيط، بس وشها الخاسس وعينيها اللي لسه فيها نفس الكبرياء القديم خلو قلبي يتنفض. أول ما شافتني، ملامحها متهزتش. مفيختش، ولا صرخت. بصت لحازم بهدوء وقالت حازم، خد يحيى وفاطمة وادخل بيهم جوة الأوضة واقفل الباب.