بصيت لرقبة بنتي برعب، ولقيت الطوق (الحظاظة) القماش الصغيرة اللي حماتي كانت جايباها ليها عشان "الحسد" ملفوفة حوالين رقبتها.. الطوق ده صفاء هي اللي لبستهولها بإيدها يوم السبوع! إيد الرعب اتمت في قلبي، وبدأت أفك الطوق ده بهستيريا وأنا بصرخ، وبنتي بدأت تعيط من الخضة. هند لفت وشها بسرعة ومدت إيدها، أخدت مني الطوق، وبمجرد ما لمسته، لقت حتة ناشفة ومكلكعة جوه القماش المطرز. هند طلعت دَبوس مشبك من طرحتها وبدأت تقطع القماش بغل، ولما فتحته.. وقعت في حجرها ورقة صغيرة جداً مكتوبة بدم حبر أسود وضيق، وملفوفة حوالين "دبوس مصدي" و"خصلة شعر" صغيرة جداً.. خصلة شعر بنتي اللي قصيناها يوم السبوع! عمر فرمل العربية فجأة في نص الطريق، لدرجة إن الكاوتش عمل صوت صريخ مرعب في هدوء الليل. لف وشه لينا وعينيه كانت هتطلع من مكانها من كتر الغضب والذهول، وزعق وهو بيبص للتليفون اللي لسه الخط فيه مفتوح وصوت أنفاس صفاء المريضة طالع منه: * "إنتِ إيه؟ إنتِ شيطانة؟! دي طفلة صغيرة.. بنت أخوكي! من دمك! تعملي فيها كده؟" صوت صفاء جه من السماعة بضحكة مبحوحة وكلها شماتة: * "بنت أخويا؟ وأخويا ده فكر فيا وهو عايش في العز والمهيصة وسايبني لأمي العيانة؟ فكر فيا لما كان بيبسط مراته ويجيب لها الدهب وأنا مفيش كلب رضي يخبط على بابي؟ السحر ده مش هيفك يا عمر.. البنت دي هيفضل النكد والمرض وراها لحد ما تموت في حضن أمها، عشان ندى تدوق حرقة القلب اللي أنا عايشاها كل يوم!" وفجأة الخط قطع.. هند مأدتش لصفاء فرصة إنها تزيد في كلامها، وبسرعة ومن غير ما تفكر، أخدت المية المعدنية اللي كانت في العربية، ودلقتها على الورقة والشعر والدبوس وهي بتقرأ المعوذات وآية الكرسي بصوت جهوري هز العربية كلها. الورقة بدأت تسيح والحبر الأسود بدأ يتمحى ويدوب في المية، وخصلة الشعر بدأت تتفرد كأنها بتتحلل. هند بصت لعمر وقالتله بنبرة حادة وصارمة: * "اطلع على بيت أمك يا عمر.. حالا!" عمر بص لها باستنكار: * "بيت أمي؟ صفاء هناك.. أنا ممكن أقتـلها بإيدي لو شفتها!" هند ردت بقوة: * "مش عشان صفاء.. صفاء هربانة ومش هترجع هناك دلوقتي لأنها عارفة إنك هتروح لها. إحنا رايحين لأمك لأن صفاء غبية، والنوع ده من السحر السفلي المدفون بيحتاج أثر قوي من الأم والأب، وصفاء أكيد مخبية باقي الحاجة أو 'الأم الكبيرة' للعمل في بيت أمك، في الأوضة القديمة بتاعتك! لازم ننظف الجذور يا عمر، وإلا هنفضل طول عمرنا بنجري ورا فروع بترموا منها كل شوية قنبلة في حياتكم!" عمر من غير ما ينطق كلمة، دور العربية وطار بيها في شوارع القاهرة الفاضية كأنه سابق الموت. أنا كنت ورا، حاطة بنتي في حضني، وبمشي إيدي على جسمها الصغير، ولأول مرة من ساعة ما فكينا الطوق، البنت بدأت تنفَس براحة، وعياطها هدي تماماً، ونامت نوم عميق وصدرها بيعلو ويهبط بانتظام.. كأن الحمل الثقيل انشال من على روحها البريئة. وصلنا بيت حماتي في منطقة مصر الجديدة.. البيت كان هادي تماماً، والنور مطفي. عمر فتح باب الشقة بمفتاحه ودخلنا براحة عشان ملوش خضة لحماتي العيانة. أول ما دخلنا الصالة، لقيت حماتي قاعدة على الكرسي الهزاز في الضلمة، وبتعيط بصوت مكتوم. عمر جِري عليها وحضنها: * "أمي! مالك؟ إيه اللي مقعدك في الضلمة؟ وصفاء فين؟" حماتي رفعت وشها اللي كان مليان دموع، وبصت لعمر بنظرة كلها انكسار وقالت بصوت يرتجف: * "صفاء جت هنا من ساعة يا عمر.. كانت زي المجنونة، لمت هدومها وكل الفلوس والدهب اللي في البيت، وكانت بتصرخ وتقول إنكم عرفتوا كل حاجة وإنها هتمشي ومش هتشوفوا وشها تاني.. وأنا مش فاهمة حاجة يا ابني! عملت إيه أختك؟" هند قربت من حماتي وبست راسها وقالت لها: * "اطمني يا طنط، كل حاجة هتبقى كويسة.. بس قوليلي، صفاء دخلت أوضة عمر القديمة قبل ما تمشي؟" الأم هزت راسها وهي بتمسح دموعها: * "آه.. قعدت فيها أكتر من ربع ساعة وكانت بتدب وتخبط جوه، ولما خرجت كانت بتضحك ضحك يقطع القلب وقالتلي: 'أنا سيبت لعمر هدية عمري ما هينساها'!" عمر مأداش فرصة لحد، وجري على أوضته القديمة، وفتح الباب بعنف، وشغل النور.. الأوضة كانت مكركبة، الأدراج مفتوحة والهدوم مرمية في كل مكان. بدأنا ندور إحنا الثلاثة زي المجانين.. تحت السرير، ورا الدولاب، جوه المخدات. مفيش أي حاجة غريبة! لحد ما هند وقفت في نص الأوضة، وبصت للسقف.. السقف كان فيه نجفة قديمة جداً من النحاس، مفيهاش لمبات وشغالة كمنظر بس. هند شاورت عليها وقالت لعمر: * "هات كرسي يا عمر.. واطلع شوف جوه قلب الكاسة بتاعة النجفة دي!" عمر جاب الكرسي وطلع وهو بيترعش، ومد إيده جوه الكاسة النحاس الكبيرة الملتصقة بالسقف.. وفجأة، صوابعه لمست حاجة لزجة وساقعة.. سحب إيده بسرعة وهو بيشهق، وطلع معاها "برطمان قزاز صغير" مقفول بشمع أحمر، وجواه سائل لونه أحمر قاني كأنه دم طازة، وعايم جواه صور ليا أنا وعمر من يوم فرحنا.. الصور كانت مقصوصة بطريقة تخلي رقابنا مفصولة عن جسمنا! وفي اللحظة اللي عمر مسك فيها البرطمان.. سمعنا صوت خبطة عنيفة جاية من البلكونة بتاعة الأوضة.. خبطة كأن فيه حد نط جوه البلكونة من السطوح! وعمر وهو واقف على الكرسي، بص ناحية قزاز البلكونة واتجمد، والبرطمان كان هيقع من إيده من كتر الرعب وهو بيقول: * "مش ممكن.. إنتِ رجعتي تاني ليه؟!" البرطمان القزاز كان هيقع من إيد عمر وهو واقف على الكرسي، وجسمه كله تيبّس. عيوننا كلنا اتجهت ناحية البلكونة.. من وراء القزاز المصنفر، كان فيه خيال لست واقفة وبتبص علينا، ملامحها مكنتش باينة أوي بسبب الضلمة، بس الطول والوقفة كانوا بتوع صفاء! عمر نزل من على الكرسي بسرعة وهو كابس على البرطمان في إيده، والغضب عَمى عينيه. جِري على البلكونة وفتح الضلفة الخشب بعنف وهو بيزعق: * "وحياة أمي ما هسيبك الليلة دي يا صفاء! نهايتك على إيدي!" لكن أول ما الباب اتفتح، الهوا الساقع ضرب في وشنا، والبلكونة كانت فاضية تماماً! مفيش فيها صرصار حتى.. بس الصدمة مكنتش هنا، الصدمة كانت في الشيء اللي متعلق في حبل الغسيل.. كانت "طرحة" سودا من بتوع صفاء، ومربوط فيها من تحت قفل حديد قديم ومصدي، ومقفول على آخره بـمفتاح مكسور جواه! هند صرخت من ورا عمر وهي بتشده لجوّة الأوضة: * "ارجع يا عمر! ده فخ.. هي مكنتش واقفة هنا، دا طيف السحر بيسحبك عشان تقع من البلكونة أو تكسر البرطمان اللي في إيدك! البرطمان ده لو اتكسر والدم اللي جواه لمس الأرض، السحر هيتجدد وهيبقى أبدي ومش هيفك طول العمر!" عمر رجع خطوتين لورا وهو بينهج، وعرق الخوف والـمجهود غرقان في وشه. بص للبرطمان اللي في إيده كأنه ماسك قنبلة موقوتة. الشمع الأحمر اللي قفل الغطا كان بيسيل ببطء بفعل حرارة إيد عمر، والصور اللي جوة المقصوصة رقابها كانت بتتحرك في السائل الأحمر كأنها بتعوم لوحدها! في الصالة، حماتي كانت بتدعي وتبكي بصوت عالي: * "يا رب احمي ولادي.. يا رب اكفينا شر الأذى.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا صفاء يا بنتي، ربنا ينتقم من اللي عمل كده!" بنتي في حضني بدأت تصرخ تاني، بس المرة دي صراخ متواصل ومكتوم كأنها مش قادرة تطلع النفس. أنا ركبي خنتني وقعدت في الأرض وأنا بضمها وبقول لهند بعياط هستيري: * "الحقينا يا هند.. البرطمان ده لازم يتصرف فيه حالا.. البنت بتموت في إيدي!" هند جِريت على عمر، وأخدت منه البرطمان بحذر شديد وهي ماسكاه بحتة قماش بيضا نضيفة، وقالت بصوت حاسم: * "الشمع الأحمر ده معمول بدم غزلان وطلاسم ربط.. لو فتحناه هنا الشقة كلها هتنتهي. لازم ننزل حالا للمقابر القديمة.. التراب الطاهر بتاع أرض المقابر أو مية العيون الارتوازية هي الوحيدة اللي بتدوب القرف ده من غير ما تأذي حد!" عمر هز راسه بالموافقة من غير ما ينطق، وبص لأمه وقالها: * "اقفلي الباب عليكي يا أمي وماتفتحيش لأي حد.. حتى لو كانت صفاء!" خرجنا جري من الشقة، ونزلنا السلم كأننا بنسابق الزمن. ركبنا العربية وعمر ساق بأقصى سرعة ناحية منطقة المقابر في أطراف المدافن القديمة.. الطريق كان ضلمة كحل، ومفيش فيه صريخ ابن يومين، والهوا اللي بره كان بيصفر وبيلطم في قزاز العربية بصوت مرعب. طول الطريق، كنت باصة في رقبة بنتي.. الصدمة إن مكان الطوق اللي فكيناه، بدأ يظهر "خط أحمر غامق" حوالين رقبتها، كأن فيه حبل خفي بيخنقها وبيتسحب ببطء! كنت بقرأ سورة البقرة بصوت عالي وببكي، وهند جنبي في الكرسي القدامي عينيها مش بتفارق البرطمان وبتقرأ أدعية الرقية الشرعية. وصلنا للمقابر، وعمر وقف العربية على جمب. المكان كان يقطع النفس من الخوف.. شواهد القبور والهدوء اللي زي الموت. نزلنا كلنا، وعمر كان ماسك كشاف تليفونه بينور بيه الطريق وسط الممرات الضيقة بين المدافن. هند وقفت عند منطقة فيها تراب أصفر نضيف مش ملموس، وقالت لعمر: * "احفر هنا يا عمر.. احفر بعمق دراع كامل!" عمر بدأ يحفر في الأرض بإيديه وضوافره بغل، والتراب كان بيطير حوالينا. وأنا واقفة شايلاها وببص لرقبتها.. الخط الأحمر كان بيغمق ويزرق، والبنت بدأت تطلع صوت حشرجة مرعبة! * "أسرع يا عمر.. أسرع البنت هتروح مني!" صرخت بأعلى صوتي. عمر حفر العمق المطلوب، وهند قربت وبدأت تقرأ أواخر سورة البقرة، وحطت البرطمان جوة الحفرة.. وقبل ما عمر يردم التراب، سمعنا صوت ضحكة عالية وساخرة جاية من ورا الشاهد بتاع القبر اللي جنبنا بالظبط.. التفتنا بالكشاف ناحية الصوت.. والصدمة شلتنا تماماً! كانت صفاء الحقيقية.. واقفة ولابسة هدوم مقطعة، وعينيها كانت جاحظة ووشها مليان طين، وفي إيدها "نسخة تانية" من نفس البرطمان! ضحكت وقالت بنبرة جنون وسواد: * "فاكرين إنكم أذكيا؟ البرطمان اللي معاكم ده الفالصو.. الأصلي معايا أنا.. وبمجرد ما أكسره هنا وسط المقابر.. بنتك هتموت في نفس الثانية يا ندى!" رفعت إيدها لفوق بالبرطمان عشان تخبطه في صخرة القبر.. وفي اللحظة دي، عمر أخد خطوة وسحب المسد*س القديم بتاع والده اللي كان مخبيه في العربية.. ووجهه ناحيتها! الحظة اتجمدت.. هند بتصرخ، وأنا بنتي بتتنفس أخر أنفاسها، وعمر صباعه على الزناد.. وصفاء إيدها بتنزل بالبرطمان عشان تكسره! صوت طلقة الرصاص هز سكون المقابر ورجّ المدافن كلها في نفس اللحظة اللي إيد صفاء كانت بتنزل فيها بالبرطمان عشان تكسره على الصخرة. الرصاصة مجتش في صفاء، عمر مقدرش يضرب أخته من دمه، الرصاصة جت في البرطمان القزاز اللي في إيدها بالظبط! القزاز اتفتت لمية حتة وسط الهوا، والسائل الأحمر دلق على صخرة القبر، وصورنا المقصوصة طارت في الهوا واتحرقت فجأة كأنها لمست نار خفية قبل ما تنزل على الأرض. صفاء صرخت صرخة رعب وفزع هزت المكان، ووقعت على ركبها وهي بتبص لإيدها الفاضية ومش مصدقة. وفي نفس الثانية، البرطمان التاني اللي كان تحت في الحفرة مع هند وعمر، اطق من نفسه واتكسر نصين، وخرج منه دخان أبيض ريحته طيبة وزي المسك ملى الممر اللي إحنا واقفين فيه. التفت برعب وبصيت لرقبة بنتي.. الخط الأزرق اللي كان بيخنقها بدأ يبهت ويدوب كأنه حبر بيتمسح بمية، والبنت خدت نفس طويل وعميق، وانفجرت في العياط بصوت قوي وطبيعي ملاه الصفا والنور! ضميتها لصدري وأنا بقع على الأرض من طول تعبي وببكي ودموعي بتنزل من الفرحة والراحة: "الحمد لله يا رب.. الحمد لله يا رب نجيتنا!" هند جِريت عليا وحضنتني وهي بتنهج والدموع في عينيها: "خلاص يا ندى.. السحر اتقلب على الساحر، والعملين دابوا واتفكوا في نفس اللحظة.. الغمة انزاحت يا حبيبتي." عمر كان واقف والمسد*س في إيده بيترعش، وبص لصفاء اللي كانت قاعدة على الأرض وبتضحك وتعيط في نفس الوقت وبدأت تقطع في هدومها وتخربش في وشها وضوافرها في الطين.. السحر السفلي والارتداد بتاعه رجع عليها في ثانية بعد ما الأعمال اتفكت، وعقلها طار تماماً وبقت تتكلم بلغة غريبة ومش مفهومة وتصرخ من حاجات خفية شيفاها حواليها ومحدش فينا شايفها. عمر نزل لمستوى أخته، وعينيه مليانة حزن وكسرة على الحال اللي وصلت له بسبب غلها وحقدها، وقال بصوت مخنوق: "ربنا يسامحك يا صفاء.. دمرتي نفسك عشان تخربي بيتي، والآخرة والدنيا ضاعوا منك." اتصلنا بالشرطة والإسعاف، وجوم أخدوا صفاء وهي في حالة جنون كامل وهستيريا مفيش منها رجوع، وتم إيداعها في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية تحت حراسة مشددة، والدكاترة أكدوا إن حالتها عقلية ميوءوس منها. بعد الليلة دي، قفلنا شقتنا القديمة وبعناها باللي فيها ومفكرناش نرجع لها تاني.. وعمر اشترى لنا بيت جديد كله نور وشمس وهدوء في مكان بعيد عن كل الذكريات دي. هند سافرت تاني عشان تكمل أبحاثها ودراستها، بس المرة دي سافرت وهي مطمنة علينا، وعلاقتنا بقت أقوى من الأول مية مرة. أنا وعمر رجعنا لبعض، وحبنا بقى أقوى وأعمق بعد ما عدينا من وسط النار وسندنا بعض.. وبنتي كبرت وبقت مالية علينا الدنيا بضحكتها اللي بتنور البيت. وكل ما ببص لعمر وهو شايلها وبيضحك معاها، بفتكر دايماً إن أقوى سحر في الدنيا ممكن يتدمر قدام قوة الإيمان، واللجوء لربنا، وحب العيلة الصادق اللي مبيتهزش.