مع سقوط آخر حبة تراب 1
ـ يعني إيه؟ يعني هو عايش؟
سألته وأنا حاسة إن عقلي هيطير.
ـ معرفش يا ست الكل.. معرفش أكتر من كده.. الحاج قالي لما ألمح العربية السودا واقفة عند الفيلا بالليل، آجي أقف عند باب الخدمة وأستناكي.. وهو ده اللي حصل.
العربية هديت سرعتها ودخلت في حارة ضلمة في منطقة قديمة في السيدة زينب، وقفت قدام بيت قديم من بيوت زمان. عم عماد نزل وفتح لي الباب:
ـ انزلي يا أم أحمد.. الشقة دي ملك لأختي الله يرحمها، محدش يعرف عنها حاجة، ولا حتى أحمد ومصطفى. هنا أمان لحد الصبح.
دخلت الشقة.. ريحة التراب والبيوت المهجورة كانت مالية المكان. قعدت على أول كرسي خشب قابلني، وطلعت الفلاشة والورق من شنطتي. كان لازم أفهم، لو محمود مات مقتول بالمادة اللي في الأمبول، يبقى مين اللي بيبعت الرسايل؟ ولو هو عايش، جثة مين اللي في القبر؟
طلعت لابتوب قديم كان عم عماد شايله في الشقة، وحطيت الفلاشة بأصابع بترتجف. ظهر ملف واحد بس بصيغة فيديو. فتحته.. وجه محمود ظهر على الشاشة. كان باين عليه التعب، وشه خاسس، وعيونه دبلانة، بس نظرة الذكاء والتحدي لسه فيهم.
بدأ يتكلم في الفيديو بصوت واطي ومتحشرج:
ـ “روايح.. يا شريكة عمري.. لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا خلاص مش موجود في البيت، والكل فاكر إني مت. أحمد ومصطفى اتعموا بالفلوس.. شركات التأمين اللي برة مصر عرضت تسوية بمليارات على أصول شركاتنا، بس بشرط توقيعي أنا، أو إعلام وراثة رسمي في حال وفاتي. لما رفضت أبيع تاريخي وتعب عمري، بدأوا يخططوا للتخلص مني.. وسمعتهم بيتفقوا مع دكتور يجهز مادة سم بطيء مالهاش أثر في التشريح.. مادة توقف القلب فجأة.”
محمود سكت في الفيديو، أخد نفسه بصعوبة وكمل:
ـ “أنا ما سكتش.. اتفقت مع جهة رقابية وبمساعدة صديق قديم ليا في الطب الشرعي.. رتبنا كل حاجة. الجثة اللي اتدفنت النهاردة مش جثتي.. دي جثة رجل مجهول الهوية توفى في نفس الليلة في المستشفى، وتم تبديل الأوراق بمساعدتهم عشان نوقع أحمد ومصطفى في الفخ وهم مطمنين إنهم نجحوا.. بس اللعبة أكبر من ولادنا يا روايح.. فيه حيتان وراهم.. أوعي تثقي في المحامي “رفعت”، هو الراس المدبرة معاهم.”
الفيديو قطع فجأة.. والشاشة اسودت.
وقفت في نص الأوضة وأنا مش قادرة أستوعب.. جوزي عمل جنازة وهمية عشان يحمي نفسه ويحميني؟
وفجأة.. الموبايل اتهز في إيدي.
رسالة جديدة من الرقم المجهول:
“فتحتِ الفلاشة؟ عرفتِ الحقيقة؟”
كتبت بسرعة والدموع نازلة على الشاشة: