بعد شهر واحد فقط من وفاه زوجی 1 من حکایات نور محمد
وبعد شهر واحد فقط من وفاه زوجی، كنت قاعدة في بيت حماتي، الست اللي اعتبرتها أمي بعد ما “أحمد” جوزي وحبيب عمري مات في حادثة عربية مروعة. كنت لسه بلبس الأسود، ودموعي منشفتش. فجأة، دخلت عليا حماتي ومعاها سلفي “خالد”، وبدون أي مقدمات رمت قدامي ورقة وقالتلي بقسوة جمدت الدم في عروقي:
— “امضي هنا يا منى.. دي ورقة تنازل عن شقتك، ونصيبك في ورث أحمد!”
بصتلها بذهول ودموعي نزلت: “أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ أحمد لسه مكملش أربعين يوم! وأنا ماليش مكان تاني أروحه، دي الشقة اللي شقينا فيها سوا!”
خالد سلفي قرب مني وعينيه فيها نظرة شر عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقال بفحيح مرعب:
— “مبقاش فيه أحمد يا حلوة.. وأخويا مات وساب وراه ديون للركب، وإحنا أولى بالبيت ده عشان نسدد ديونه، والست الأصيلة متفضحش جوزها الميت.. امضي بالذوق بدل ما نطردك في الشارع بهدومك!”
حسيت بطعنة في قلبي، أحمد طول عمره كان مهندس ناجح ومستور، ديون إيه اللي بيتكلموا عنها؟ وافقت ومضيت وأنا مكسورة النفس، قولت في نفسي الدنيا فانية ومفيش حاجة تستاهل المحاربة بعد أحمد. لكن الصدمة إنهم مسبونيش أمشي.. حماتي قفلت الباب وقالتلي ببرود يذبح:
— “الخروج من هنا مش بالسهولة دي.. أنتِ هتقعدي هنا تخدميني أنا وابني خالد، تعويضاً عن الفلوس اللي أحمد ضيعها علينا.. ورجلك عتبة الباب مش هتعتبها!”
الأيام مرت وأنا لسه في فترة عدتي، وتحولت من زوجة مهندس محترم لـ “خدامة” مقهورة في بيت عيلته. كنت بصحى من الفجر، أنظف، وأطبخ، وأستحمل إهانات حماتي وتحكمات خالد اللي كان بيتعامل كأنه صاحب البيت والملك المطاع.
بس في حاجة غريبة كانت بتحصل في البيت ده كل ليلة.. حاجة خلت الرعب يسكن ضلوعي.
الشقة اللي كنا قاعدين فيها كانت في الدور الثاني، والدور الثالث كان عبارة عن شقة مقفولة بقفل حديدي ضخم، وحماتي كانت دايماً تقول إنها “مهجورة” وفيها كراكيب.
لكن كل يوم، بعد الساعة ٢ بعد نص الليل، لما البيت كله ينام، كنت بطلع على السلم بخطوات مرعوبة وأنا سامعة أصوات غريبة جاية من ورا الباب المقفول.. صوت خبط منتظم على الأرض، وصوت حد بيتنفس بصعوبة!
لما سألت حماتي بخوف: “يا ماما أنا بسمع أصوات في الدور الثالث”، لقتها نزلت بالقلم على وشي وقالتلي وعينيها بتطق شرار:
— “أنتِ اتهبلتي؟ دي فئران كركبة! إياكِ رجلك تطلع السلم ده تاني، وإلا والله أدفنك صاحية!”
الخوف زاد جوايا، وحسيت إن فيه مصيبة مستخبية في البيت ده. وفي يوم، خالد وحماتي خرجوا مستعجلين عشان يزوروا قرايب لهم في المحافظة تانية، ونسوا “ميدالية المفاتيح” على تربيزة الصالة.
قلبي كان بيدق زي الطبل، وجسمي كله بيترعش. أخدت المفاتيح وطلعت السلم خطوة خطوة، الهوا كان ساقع وصوت أنفاسي كان مسموع.
وصلت للباب، جربت المفتاح الأول.. الثاني.. وفجأة، القفل الكبير اتفتح!
فتحت الباب ببطء، الشقة كانت ضلمة كحل وريحتها غريبة.. ريحة أدوية ومستشفيات مخلوطة بتراب. مشيت بكشاف الموبايل، وفتحت باب الأوضة الكبيرة.. وهناك، شفت الصدمة اللي شلت عقلي!
سرير طبي، وأجهزة تنفس، وواحد نايم على السرير، وشه شاحب وجسمه خاسس النص، ومربوط من إيده في السرير عشان ميتحركش!
قربت بخطوات مرعوبة، ونورت الكشاف في وشه.. وصرخت صرخة كتمتها بإيدي وأنا بقع على الأرض من هول المنظر.
ده أحمد!!
جوزي.. اللي قالوا إنه مات ودفنوه، اللي بكيت عليه بدل الدموع دم! أحمد عايش، ومخطوف في بيته!