الأرمل الوسيم حكايات اسما السيد 2

الفصل الثاني
سامية فضلت باصة لرائف بعدم استيعاب، كأنها مش مصدقة إن راجل بالشكل والهيبة دي ممكن يقف يدافع عن بنت زي دلال.
أما دلال… فوقفت مكانها متخشبة.
قلبها كان بيدق بعنف.
لأن عمرها كله، محدش وقف قدام سامية علشانها.
ولا مرة.
من وهي صغيرة، وسامية هي اللي تاخد كل حاجة الحلوة.
الفستان الجديد لسامية.
الأكل الأحسن لسامية.
المدرسة الخاصة لسامية.
أما دلال؟
كانت دايمًا البنت اللي “تكفيها أي حاجة”.
حتى بعد موت أبوهم وأمهم… سامية خدت البيت الكبير، وسابت لها أوضة ضيقة جنب الفرن القديم كأنها خدامة.
ولما كانت دلال تعيط زمان، أمها كانت تضمها وتقول: “ربنا مخبي لكِ نصيب حلو يا بنتي… الناس الطيبة رزقها بيتأخر بس.”
لكن بعد موت أمها… ماحدش عاد يقول الكلام ده.
سامية ضحكت بسخرية وهي تبص لرائف: — ضيفة؟!
دي شغالة هربانة من بيت أختها!
رائف رد ببرود: — حتى لو كانت خدامة… ما اسمحلكيش تهينيها هنا.
الصمت وقع ثقيل.
سامية حسّت بالإهانة لأول مرة.
فرفعت نظارتها فوق شعرها وقالت بحدة: — واضح إنك مش فاهم مين دي.
دي بنت ساذجة. أي حد يضحك عليها بكلمتين.
دلال وطّت وشها.
الكلمات كانت بتوجعها… لأنها اتقالت لها طول عمرها.
لكن فجأة…
سلمى خرجت من ورا دلال، ومسكت طرف هدومها الصغيرة، وقالت بعناد طفولي: — متزعقيش لدلال.
الكل سكت.
حتى دلال نفسها بصتلها بدهشة.
سلمى كملت وهي ضامة دلال: — هي عملتلنا أكل… وغسلتلي الجرحة… وخليت ملك تضحك.
سامية رمشت بعدم تصديق.
أما رائف، فحاجة اتحركت جواه بعنف.
لأن بنته من يوم موت أمها ما قربتش من أي حد.
لكنها قربت من دلال في ساعات قليلة.
سامية نفخت بضيق: — واضح إنكم كلكم اتجننتوا.
وقبل ما تمشي، قربت من دلال وهمست بسمّ: — هترجعي تزحفي عندي بعد يومين… زي كل مرة.
وبعدين ركبت عربيتها ومشت.
فضل التراب متعلق في الهوا بعد رحيلها.
أما دلال… فوقفت مكانها، تحاول تمنع دموعها.
لكنها فشلت.
رائف لمح دمعتها.
وشاف الوجع اللي بتحاول تخبيه.
فقال بهدوء: — كلام الناس المؤذي بيعيش في القلب أكتر من السكاكين.
رفعت عينيها له بصدمة بسيطة.
قال الجملة كأنه فاهمها جدًا.
وده لأنها فعلًا… كانت نفس حالته.
في الليل…
العيال ناموا متجمعين لأول مرة من شهور.
حتى عمر، رغم عناده، نام على الكنبة جنب أخواته بدل ما يخرج يقعد لوحده برة البيت.
أما دلال، فكانت قاعدة في المطبخ الصغير، بتخيط هدوم ياسين المقطوعة تحت نور لمبة ضعيفة.
رائف دخل بهدوء.
وقف يتأملها للحظات.
شكلها البسيط.
صبرها.
طريقتها وهي تصلح كل حاجة بهدوء كأن الخراب ما بيخوفهاش.
قال فجأة: — عندكِ أهل غير أختك؟
دلال كملت خياطة وهي ترد بهدوء: — لا.
— وأمك وأبوك؟
ابتسمت بحزن: — ماتوا من سبع سنين.
سكت شوية، وبعدين سأل: — وأختك بتعاملك كده ليه؟
الإبرة وقفت بين صوابعها.
واضح إن السؤال لمس جرح قديم جدًا.
بعد لحظة طويلة قالت: — أصلها طول عمرها شايفة إني عبء.
رائف حس قلبه اتقبض.
لأن الكلمة دي… هو نفسه كان بيقولها عن نفسه بعد موت رحمة.
عبء.
على البيت.
على العيال.
على الدنيا كلها.
وفجأة…
ملك بدأت تعيط من الأوضة.
دلال قامت بسرعة قبل حتى ما رائف يتحرك.
دخلت الأوضة، وشالِت البنت الصغيرة، وبدأت تهدهدها بحنان غريب.
— خلاص يا روح قلبي… أنا هنا.
الجملة نزلت على رائف كأنها ضربة.
“أنا هنا.”
قد إيه البيت ده كان محتاج يسمع الجملة دي.
ملك لفت إيديها الصغيرة حوالين رقبة دلال، ونامت على كتفها خلال دقائق.
أما ياسين… ففتح عينيه بنص نوم وهمس: — ماما؟
الصمت ضرب المكان كله.
دلال اتجمدت.
ورائف حس قلبه وقف.
ياسين كان نايم ومش واعي… لكنه حضن دلال أكتر وهو يكرر بنعاس: — ماما…
الدموع لمعت في عيني دلال بدون إرادة.
أما رائف… فلف وشه بسرعة كأنه بيهرب من إحساس أقوى منه.
في صباح اليوم التالي…
دلال صحيت قبل الكل.
عجنت عيش، ونضفت الحوش، وغسلت هدوم العيال.
ولأول مرة من سنين… البيت بدأ يرجع فيه صوت حياة.
ريحة الخبز طلعت مع شمس الصبح.
الجيران وقفوا يبصوا بدهشة.
واحدة من الستات همست: — هو الأرمل اتجوز؟
التانية ردت بسخرية: — بسرعة كده؟!
لكن مع مرور الأيام…
الكلام بدأ يتغير.
لأن العيال بقوا أنضف.
وسلمى رجعت تضحك.
وياسين وملك بقوا يجروا في الحوش بدل العياط المستمر.
حتى عمر…
رغم إنه كان بيتعامل بجفاء، لكنه بطل يخرج من البيت كتير.
وفي يوم…
دلال كانت بتنشر الغسيل، لما سمعت صوت خناق عند البوابة.
خرجت بسرعة.
ولقت عمر ماسك ولد أكبر منه، وبيضربه بعنف هستيري.
الولد كان بيزعق: — أبوك جابلكم شغالة يتسلى بيها!
عمر فقد السيطرة تمامًا.
دلال جريت عليهم بسرعة: — عمر! سيبه!
لكن عمر كان منهار.
— هي مش شغالة! فاهم؟!
مش سامحلك تتكلم عنها!
الجملة خلت دلال تتجمد.
لأنها أول مرة تحس إن حد… بيخاف عليها.
رائف وصل في اللحظة دي، وسحب عمر بعيد بالعافية.
الولد التاني جري وهو يشتم.
أما عمر… فكان بيتنفس بعنف ودموعه محبوسة.
رائف مسك كتفه: — الضرب مش حل.
عمر انفجر فجأة: — يبقى اعمل حاجة!
الناس كلها بتقول علينا شحاتين!
بيقولوا إن ماما ماتت وسابتنا علشان البيت ده ملعون!
الصمت وقع ثقيل.
ثم…
قال الجملة اللي كان مخبيها جواه من شهور:
— وأنا بكرهك علشان مقدرتش تنقذها!
الكلمة نزلت كسكينة في قلب رائف.
ودلال شافت لأول مرة… الانكسار الحقيقي في عينيه.
رائف ما ردش.
بس لف وراح ناحية الحقل لوحده.
وعمر وقف ينهج بندم بعد ما قالها.
أما دلال…
فبصت بين الأب وابنه، وحست إن البيت ده مش محتاج أكل ونضافة بس…
البيت ده محتاج حد يلم شظايا أرواح مكسورة بقالها سنين بتنـزف في صمت.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *