في الثانية عشر من عمري رأيت أمي
قال بصوت متعب:
“أمكِ لم تكن كما ظننتِ يا زهراء.”
اختنقت أنفاسي.
“إذًا ماذا كان يحدث؟”
أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
“بعد إصابتي في الورشة، تراكمت الديون فوقنا.
كانت نور مريضة، والبيت مهددًا، ولم نجد من يساعدنا سوى رامز.”
ساد الصمت.
أكمل بصوت خافت:
“في البداية بدا وكأنه يساعدنا فعلًا.
دفع جزءًا من تكاليف العلاج، وأعطاني مالًا للورشة، وقال إنني أسدده لاحقًا.”
ثم ضحك بمرارة موجعة.
“لكن الرجال مثله لا يعطون شيئًا مجانًا.”
شعرتُ بيدي تبردان.
قال:
“بعد فترة بدأ يقترب من أمكِ بطريقة أزعجتها.
كانت تخبرني، وكنت أطلب منها الابتعاد عنه.
لكننا كنا غارقين في الديون.”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
أكمل:
“ثم بدأت التهديدات.”
وأشار إلى الرسائل فوق السرير.
“كان يرسل هذه الرسائل باستمرار.
مرة يهدد بالسجن.
ومرة بالحجز على البيت.
ومرة يلمّح لأشياء أسوأ.”
قالت نور بخوف:
“مثل ماذا؟”
أخفض أبي رأسه للحظة قبل أن يجيب:
“مثل أن يؤذينا إن رفضت أمكم الاستمرار بالعمل عنده.”
ثم أضاف بعد صمت قصير:
“وكان يعرف أين نذهب… ومع من نتحدث.
حتى أمكم، بعد أن غادرت، كانت تغيّر مكانها باستمرار وتخشى استخدام أي رقم لفترة طويلة.”
شعرتُ أن الغرفة تضيق حولي.
همستُ:
“واليوم الذي رأيتها فيه؟”
تنهد أبي طويلًا.
وقال:
“كانت قد ذهبت لتطلب منه أن يتركنا بحالنا.
أن يمنحنا وقتًا فقط.
لكنه أمسك بها هناك، ومن الزاوية التي رأيتِها منها بدا الأمر أسوأ مما كان.”
بدأت الدموع تحرق عيني.
يا الله…
كل تلك السنوات…
وكنت أظن أنني رأيت الحقيقة كاملة.
قال أبي بصوت مكسور:
“حين أخبرتِني بما رأيتِه… واجهتها.
تشاجرنا بشدة.
وأمكِ انهارت وأخبرتني بكل شيء.”
سكت للحظة.
ثم تابع:
“وفي الليلة نفسها… اتصل رامز.”
شعرتُ بقلبي ينقبض.
قال أبي:
“قال إن الأمر خرج عن السيطرة.
وإنه لن يتركنا نعيش بسلام بعد الآن.”
وضعتُ يدي فوق فمي.
أكمل:
“أمكِ كانت خائفة عليكن
بشكل لم أتخيله.
ظلت تبكي حتى الفجر.”
ثم صمت للحظات طويلة.
وقال بصوت بالكاد سمعته:
“وفي الصباح… قالت إنها ستغادر.”
تجمّدتُ مكاني.
“هي… هي من قررت؟”
أومأ ببطء.
وقال:
“قالت إن وجودها معنا سيزيد الأمر سوءًا.
وأنها إذا اختفت ربما يبتعد عنا.”
بدأت دموعي تسقط أخيرًا.
“وأنت؟”
تنفس ببطء شديد.
ثم قال:
“قلت لها ألا تفعل.
قلت إننا سنجد حلًا.
لكنها كانت مقتنعة أن ابتعادها هو الشيء الوحيد الذي قد يحمينا.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
صمت ثقيل ومؤلم.
ثم همست نور فجأة:
لمحة نيوز
“لكن… لماذا لم تعد بعد كل هذه السنوات؟”