اخت جوزي حكايات روماني مكرم ٣

الصوت اللي جِه في التليفون كان صوت غريب، نبرة جافة وفيها غلّ مكتوم. “ألو.. صباح معايا؟”

مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع صوتي المخنوق وقولت: “مين؟ مين معايا؟”

الطرف التاني ضحك ضحكة باردة سقعت الدم في عروقي وقال: “أنا رجب.. جوز أم أحمد جارتكم القديمة. افتكرتيني؟ ولا الفلوس اللي بتدخليها البوسطة كل شهر من ورا جوزك تنسيكِ أصحاب الفضل؟”

تسمرت في مكاني والشنطة في إيدي. رجب ده كان شغال موظف في مكتب البريد اللي في أول الشارع، وهو اللي كان بيخلص لي إشاعات الإيداع كل شهر من غير ما حد ياخد باله. قولت له برعب وصوت واطي عشان خالد واقف برة الصالة: “عايز إيه يا رجب؟ وأنت بتتصل بيا في وقت زي ده ليه؟ أنا بيتي بيتخرب!”

رجب قال بنبرة تهديد صريحة: “بيتك بيتخرب؟ طب كويس إني لحقتك قبل ما تتطردي. اسمعي يا صباح.. جوزك مصطفى كلمني من شوية على تليفوني، بيستعلم عن الحسابات وبيرغي معايا بحكم المعرفة، وسألني لو كنت بشوفك بتدخلي البوسطة. أنا قولت له مفيش الكلام ده ومبشوفهاش.. بس اللسان لوز يا صباح، وعشان يفضل مربوط، عاوز خمسة آلاف جنيه حالا.. وإلا هطلب مصطفى تاني وأقول له إنك محوشة أكتر من سبعين ألف جنيه من عرق أخته ويجي ياخدهم منك يد بيد!”

قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، الدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.. جوزي طلقني، وخالد واقف مستني يرميني في الشارع، ورجب جاي يبتزني في الفلوس اللي حوشتها!

طلعت الصالة أجر الشنطة، خالد بص لي بقرف وشاور على الباب: “يلا.. مش عاوز أشوف وشك هنا، وأنا هاخد نادية والعيال وأروح بيهم شقتهم، ومصطفى زمانه على وصول مصر في أول طيارة عشان يخلص الحساب القديم والجديد”.

خرجت من باب الشقة والدموع عامية عيني، السلم كان ضلمة كأنه قبري. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين.. لو رحت لأهلي وفهموا إني اطلقت عشان أكلت مال اليتامى وشغلت أخت جوزي أرملة خدامة، أبويا ممكن يتبرأ مني.

مشيت في الشوارع لحد ما الساعة بقت تنين بالليل، ومفيش قدامي غير حل واحد.. أروح لـ نادية! لازم أروح وأبوس على رجلها، وأرجع لها كل مليم في البوسطة قبل ما مصطفى ينزل مصر، هي الوحيدة اللي ممكن تلين وتكلم أخوها تقوله يسامحني.

وصلت عند بيتها.. بيت قديم في حارة سد، طلعت السلم بخطوات مرعوبة وخبطت على الباب بالراحة. ثواني والباب اتفتح.. بس اللي فتحت مكانتش نادية.. دي كانت “حماتها” الست الكبيرة، وبصت لي بعيون كلها غضب وشر وقالت: “أهلاً يا ست صباح.. جاية لحد هنا برجلِك؟ ده إحنا كنا لسه بنجيب في سيرتك!”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *