جواز اجباري حكايات علي ابو الدهب
أهلي عزموني على العشا وقعدوني قدام راجل عمري ما شفته في حياتي قبل كدة، وحطوا قدامي عقد جواز، وبكل برود قالولي إن الليلة مش هتخلص إلا وأنا متجوزة. بس لما بابا قفل الباب بالمفتاح وقال: “مش هتخرجي من هنا غير لما نخلص الموضوع ده”، كنت مجهزة في شنطتي مفاجأة هما أصلاً ميتخيلوهاش.
من أول لحظة دخلت فيها البيت، عرفت إن ده مش عشا عائلي عادي.
الصالون كان كله شموع، والورد مالي التربيزة، ومفرش السفرة مفروش بدقة كأن البيت كله بيستعد لمسرحية.. بس مكنش فيه أكل!
مفيش أطباق.. مفيش ريحة طبخ.. مفيش أي حد بيجهز عشا أصلاً.
كان فيه بس كرسي واحد محطوط قدام راجل غريب لابس بدلة غامقة، وجنبه قلم محطوط بعناية فوق كومة ورق. وقتها لفت نظري راجل عجوز قاعد في ركن الأوضة في صمت، وفي إيده شنطة جلد.. “المأذون”.
في اللحظة دي، كلام خالتي اللي قالتهولي امبارح مكنش مجرد أوهام، دي كانت حقيقة مرعبة.
ماما خرجت من المطبخ وهي مبتسمة كأنها بتنظم حفلة: “جيتي يا حبيبتي؟ تعالي اقعدي، الكل مستني.”
بابا كان واقف عند باب الشقة.. مش جنبه، لا.. ده كان سدّه بجسمه، وبعدها سمعت صوت “تكة” المفتاح وهو بيلف في القفل.
بصراحة، مش اللي بيعملوه هو اللي صدمني.. اللي صدمني هو الترتيب والتخطيط لكل حاجة. الورد، الشموع، الراجل الغريب، وحتى المأذون اللي قاعد مقتنع إن الطرفين موافقين.
ماما زقت العقد قدامي على التربيزة بمنتهى البساطة كأنها بتناولني العيش: “مضي يا روز.. هنخلص كل حاجة الليلة.”
بصيت في الورق.. اسمي بالكامل مكتوب في كل خانة: روز بكر. العروسة. عنوان السكن. نقل الممتلكات. عقد العمل. وحتى المكان اللي هعيش فيه بعد الجواز. كل تفصيلة في مستقبلي كانت مكتوبة بحبر أسود من ناس حتى مأخدوش رأيي في اللي أنا عايزاه.
وفجأة، فيه تفصيلة خلت جسمي كله يقشعر.. رصيد حسابي في البنك.. المبلغ بالظبط! أنا عمري ما قلت لحد في البيت ده أنا شايلة كام. وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد خوف عليا، ده كان فخ متخطط له صح.
بصيت للراجل اللي قاعد قدامي.. باهر. في الأربعينات، قميصه مكوي بالمسطرة، وصوته ملوش أي تعبير. من نوعية الرجالة اللي بتبص للستات كأنهم “صفقة بيزنس”.
مد إيده ليا بكل زوق وقال: “أعتقد إنك هتلاقي الاتفاق ده معقول جداً.”
”معقول”؟! إنك تطلب مني أتنازل عن شقتي ومرتبي ومستقبلي كله عشان أحل كارثة مالية أهلي هما اللي عملوها.. وتسمي ده “مفاوضات”؟!
تجاهلت إيده وكملت قراية. كان فيه بند بيقول إني لازم أسيب شغلي بعد 60 يوم من الجواز. ماما لاحظت عيني وقفت فين، وقالت بخفة: “عيلة باهر مش محتاجينك تشتغلي يا حبيبتي.”