جوزي كلمني ١
كل القرايب كانوا قاعدين في نص دايرة باصين لنص الأوضة، وفجأة فهمت ليه قلبي كان بيدق بسرعة من ساعة المكالمة.
ده مكنش عشا.. ده كان “كمين”.
ياسين بدأ يقلق على كتفي، حس بالجو المشحون رغم إنه مش فاهم حاجة. وائل كان واقف جنب الدفاية، حاطط إيده في جيبه، ومش راضي يحط عينه في عيني أبداً.
وده رعبني أكتر من أي حاجة تانية.
مشى ناحيتي وهو ماسك ظرف أبيض.
حركته كانت مخشبة، كأنه حافظ الدور اللي هيعمله.
ومن غير ولا كلمة، حدف في إيدي الورق اللي جوه الظرف.
أنا فاكرة إني فضلت باصة للوجو (شعار) شركة التحاليل قبل ما عقلي يستوعب المكتوب تحتها. إيدي بدأت ترتعش لدرجة إن الورق كان بيعمل صوت في وسط السكون القاتل اللي في الأوضة.
احتمالية الأبوة: 0%.
لثانية واحدة، عقلي رفض يفهم. وبعدين وائل نطق:
— “الولد ده مش ابني.”
صوته مكنش عالي.. وده اللي خلاه يوجع أكتر.
بصيت له وأنا مستنية منه غضب، حزن، وجع قلب.. أي حاجة بشرية! بس وشه كان خالي من أي مشاعر، كأنه بقاله أسابيع بيقنع نفسه إني خاينة قبل ما أدخل الأوضة دي أصلاً.
نَفَسي كان بيتقطع: “أكيد فيه غلط.. مستحيل!”
محدش رد.
فوزية هانم قامت ببطء من مكانها، كانت بمنتهى الشياكة بقماش الحرير واللولي، وشاورت بصباعها عليا وقالت بمنتهى القسوة:
— “أنتي أهنتي العيلة دي بما فيه الكفاية.. خدي ابنك واطلعي بره بيتي!”
## الجزء الثاني: الضيف غير المتوقع
وقفتُ مكاني والورقة ترتعش بين أصابعي كأنها جمرة نار، وصوت فوزية هانم لا يزال يتردد في أذني مثل صدى قبيح. “اطلعي بره!”.. الكلمة كانت أثقل من أن يتحملها عقلي. نظرتُ إلى وائل، كنتُ أبحث في عينيه عن ذرة شك، عن نظرة تسألني “هل هذا حقيقي؟”، لكنه كان ينظر إلى الأرض بجمود مرعب، وكأنه تخلص من عبء ثقيل.
ياسين بدأ يبكي، بكاءً مكتومًا وكأنه شعر بالخناجر الموجهة لصدري. لم يتحرك أحد من العشرين شخصاً الجالسين؛ عمته التي كانت تدعي حبها لي، وابن عمه الذي كان يمدح أخلاقي.. الجميع تحولوا إلى تماثيل من شمع، تكتفي بالنظر إليّ باحتقار صامت.
سحبتُ نَفَساً مرتجفاً وقلت وصوتي يتهدج:
— “وائل.. أنت عارف إن ده كذب. أنت عارفني كويس.. التحليل ده فيه حاجة غلط، لازم نعيده في مكان تاني!”
ضحكت فوزية هانم ضحكة صفراء وقالت:
— “نعيده؟ ده معمل دولي يا هانم، والنتائج مابتكذبش. كفاية تمثيل، شيلي شيلتك وامشي من هنا قبل ما نطلب لك البوليس.”
تحركتُ خطوة للخلف، وأنا أضم ياسين إلى صدري بقوة، كنتُ على وشك الانهيار والخروج فعلاً والجري في الشوارع، لولا أن جرس الباب رنّ رنة طويلة ومتواصلة، كأن مَن بالخارج لا يطلب الإذن، بل يأمر بالدخول.