ابو ولادي اماني سيد ٣
نمت الليلة دي وأنا حاسة براحة غريبة مكنتش حساها من تلات سنين. النوم هرب من عيني شوية، بس مكنش بسبب الخوف، كان بسبب الأدرينالين اللي بيجرى في عروقي وأنا برتب خطواتي في دماغي خطوة بخطوة. الصبح صحيت بدري، جهزت فطار العيال ونزلتهم، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميكب خفيف يخبي إرهاق السنين، وكنت ببص لنفسي في المراية وبقول: “يا واد يا ثقيل، جه اليوم اللي هتاخدي فيه حقك وتنهي المهزلة دي”.
وصلت مكتب المحامي في الميعاد بالظبط. دخلت وكنت متخيلة إني هبقى متوترة، بس لقيت نفسي بتكلم بمنتهى الثبات والقوة. حكيتله الحكاية من طقطق لسلام عليكم؛ عن جوازه، وعن هجره لينا تلات سنين، وعن الرسايل والمكالمة الأخيرة اللي قالي فيها “أعلى ما في خيلك اركبيه”. المحامي كان بيسمع وهو بيهز رأسه ويدون الملاحظات، وفي الآخر ابتسم وقالي: “متقلقيش يا مدام، موقفك القانوني قوي جداً. طالما اتجوز عليكي وإنتي رفضتي الوضع، ومعانا إثبات الهجر والتقصير في النفقة، قض//ية طلاق للضرر مضمونة بإذن الله. بس أهم حاجة زي ما اتفقنا: مش عايزينه يحس بأي حاجة لحد ما الإعلان يوصله في إيده”.
طمنّي كلامه وخلاني أحس إن القانون واقف في ضهري. دفعتله الأتعاب وطلعت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة، كأن جبل كان كاتم على نفسي واتشال.
رجعت البيت، ومفيش ساعتين ولقيت جرس الباب بيرن برنة كلها غشم واستعلاء. قلبي دق، بس المرة دي عرفت أتحكم في ملامحي تماماً. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي بكامل أناقته، والابتسامة السخيفة والغرور مالين وشه، وكأنه داخل قصر فتح خيبر. دخل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وقال بنبرة كلها ثقة: “أهو أنا جيت يا ستي، جهزتي نفسك وظبطي أمورك ولا لسه؟”
بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله: “أهلاً يا ابن الناس، نورت.. ادخل اقعد علبال ما أعملك حاجة تشربها”.
اتصدم من هدوئي، كان متوقع إني هعيط، أو هصرخ في وشه، أو على الأقل هعاتبه على السنين اللي فاتت. مكنش فاهم إن السكوت ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن الابتسامة دي مش رضا، دي ابتسامة الشماتة في المغفل اللي مش دريان إن حبل المشنقة القانونية بدأ يلف حوالين رقبته. دخل قعد وهو حاطط رجل على رجل ومطمن لآخره، وأنا دخلت المطبخ وأنا بقول في بالي: “عيش اللحظة يا سيّد الناس، واشبع بغرورك كام يوم دول.. لحد ما المحضر يخبط على بابك ويفوقك من الوهم اللي أنت عايش فيه!”
طلعت من المطبخ شايلة صينية الشاي، وبمنتهى الثبات حطيتها قدامه. قعدت على الكنبة اللي في الوش، وربعت إيدي وأنا ببص له ونظراتي ثابتة في عينه. هو أخد كباية الشاي، ورجع ضهره لورا بكل غطرسة، وبدأ يتكلم بنغمة الصوت اللي كان متخيل إنها هتكسرني: