انا وسلفتي حكايات روماني مكرم ٤
وقع تهديد الحاجة فاطمة كالصاعقة في أرجاء الصالة، ونزلت كلماتها “لا أنا أمك ولا أعرفك” على قلب كريم كالجمر المشتعل. التفتُّ إلى زوجي فرأيت ملامحه وقد تيبست، وعينيه تدوران في حيرة قاتلة بين برّ والدته التي تبتزه بعاطفتها وقسوتها، وبين مستقبله وكرامته وحق زوجته التي صانت بيته وتحملت من أجلها المذلة.
أما سلوى، فكانت تقف خلف حماتي والابتسامة الخبيثة تكاد تقفز من وجهها، ظنًا منها أن كبرياء رشا وضهر البشوات سينكسران الآن أمام كلمة واحدة من الحاجة فاطمة.
ساد صمت رهيب لثوانٍ، قطعه صوت كريم الذي خرج متحشرجًا وممتلئًا بالوجع، لكنه حمل في طياته حسمًا لم تتوقعه أمه. خطى نحو والدته، وامسك يدها وقبلها برأس منكس وقال:
> “يا ماما.. رضاكي فوق راسي، وعمري ما فكرت أعصاكي ولا أتخلى عنك. لكن أنتِ بتخيريني بين إني أكون راجل بحمي بيتي ومستقبلي، وبين إني أفضل هنا مكسور الجناح، أسمع كل يوم مراتي بتتوجع وبتتعاير بجهازها وأهلها، وأنا واقف مش قادر أعمل لها حاجة. السفر ده مش هروب منك، ده باب رزق وكرامة ربنا فتحه لينا بعد صبر طويل. لو قعدت هنا يا ماما، هفضل طول عمري حاسس بالصغر، والراجل اللي يحس بالصغر في بيت أبوه عمره ما هيعرف ينجح.”
>
تنحى كريم جانبًا، وأمسك بأول حقيبة من حقائبنا وعيناه تلمعان بدموع الرجال الواثقين، وقال بنبرة قوية: “أنا مسافر مع مراتي يا ماما.. مش عصيان ليكي، لكن سعي ورا اللقمة الحلال والمقام اللي يرفع راسنا كلنا، والوقت هيثبت لك إن ابنك راح يشتغل شريك وباشا، مش خدام عند حد.”
تراجعت الحاجة فاطمة خطوة للخلف، وقد صدمتها قوة شخصية ابنها التي لم تعهدها من قبل، وأدركت أن جبروتها الذي فرضته لسنوات في هذا البيت الكبير بدأ يتهاوى. التفتتْ نحو سلوى وكأنها تستنجد بها، لكن سلوى نفسها كانت مذهولة من موقف كريم الشجاع.
في تلك اللحظة، تقدمتُ أنا ونظرت إلى حماتي بكل أدب واحترام، دون غل أو تشفٍّ، وقلت لها:
> “يا ماما، أنا عمري ما هكون سبب يفرق بينك وبين ابنك. بكرة لما تشوفي كريم في القاهرة، راجل صاحب ملك وشركات، والكل بيعمل له ألف حساب، هتعرفي إن رشا وأهلها صانوا ابنك ورفعوا مقامه. البيت الجديد في القاهرة مفتوح ليكي في أي وقت، لأنك أم جوزي وكبيرتنا، بس خروجنا من هنا خلاص بقى أمر واقع.”
>
أمسكنا بحقائبنا، وخرجنا من باب الشقة نجر وراءنا ذكريات أيام مريرة من المقارنات والظلم. وبينما كنا نهبط درجات السلم، كانت أصوات همسات الجيران الذين تجمعوا ليروا رحيلنا تملأ المكان، وعيون حماتي وسلفتي تلاحقنا من شرفة الطابق الأرضي بنظرات تخلط بين الغيظ العارم، والندم الخفي الذي بدأ يتسلل إلى قلوبهما.