ليله زفافي حكايات اسما السيد ٢
الفصل الخامس
التفتت كل الرؤوس ناحية باب القاعة.
دخل الضابط بخطوات ثابتة، وخلفه اثنان من أفراد الشرطة.
قال بهدوء:
“الأستاذ غسان الجنزوري؟”
وقف غسان بصعوبة وهو يحاول يستعيد ثقته.
“أنا… خير؟”
أخرج الضابط ورقة رسمية وقال:
“في بلاغات مقدمة ضد حضرتك بخصوص معاملات مالية، ومطلوب حضورك لسماع أقوالك.”
حاول غسان يبتسم.
“أكيد فيه سوء تفاهم.”
لكن قبل أن يكمل…
تقدم حسام وقال:
“المستندات اللي معايا هتوضح كل حاجة.”
نظر الضابط إليه.
“حضرتك صاحب البلاغ؟”
أومأ برأسه.
“وأنا مستعد أسلم كل الأدلة.”
ساد الهمس بين الحاضرين.
بعض رجال الأعمال بدأوا يغادرون القاعة بهدوء.
آخرون كانوا ينظرون إلى غسان وكأنهم يرونه لأول مرة.
أما ريم…
فكانت تتراجع خطوة بعد أخرى.
اقترب منها غسان وقال بصوت خافت:
“متسبنيش دلوقتي.”
نظرت إليه للحظات.
ثم خلعت الخاتم الذي كان في إصبعها ووضعته على أقرب طاولة.
وقالت ببرود:
“أنا كنت مع غسان الناجح… مش مع غسان اللي الكل هيسيبُه.”
ثم استدارت وغادرت القاعة دون أن تلتفت إليه.
وقف غسان يراقبها وهي ترحل.
واكتشف في لحظة واحدة أن الشخص الذي خانه الجميع من أجله… كان أول من تخلّى عنه.
أما أنا…
فكنت أقف بجوار أبي.
نظر إليّ وقال بحنان:
“يلا يا بنتي… اللي انكسر النهارده مش إنتِ… ده الوهم.”
ابتسمت لأول مرة منذ بداية الليلة.
خرجنا من الفندق.
وكان الهواء البارد يملأ المكان.
خلعت الحذاء العالي الذي أتعب قدمي.
وضعت يدي في يد أبي.
وقلت:
“كنت فاكرة إن الليلة دي نهاية حياتي.”
ابتسم وقال:
“يمكن تكون بداية أحسن عمر.”
في الأيام التالية…
تقدمت بدعوى لفسخ الزواج، وأرفقت كل ما حدث من تسجيلات وأدلة وشهادات.
ولأن الوقائع كانت واضحة…
لم تستغرق الإجراءات وقتًا طويلًا.
انتهت العلاقة رسميًا.
وأغلقت ذلك الباب دون رغبة في العودة إليه.
أما شركة الزيني…
فبدلًا من الدخول في شراكة كانت ستدمرها…
بدأت مشروعًا جديدًا بمفردها.
طلب مني أبي أن أتولى إدارته.
في البداية خفت.
لكنني وافقت.
لأثبت لنفسي قبل أي شخص…
أنني لم أكن يومًا مجرد “صفقة”.
وبعد عام…
وقفت على منصة مؤتمر اقتصادي كبير.
أعلنوا اسم شركتنا ضمن أسرع الشركات نموًا.
صفق الجميع.
وفي الصف الأول…
كان أبي يبتسم بفخر.
ابتسمت وأنا أتذكر تلك الليلة.
الليلة التي ظن فيها غسان أنه كسرني.
لكنه في الحقيقة…
أعاد لي نفسي.
الفصل السادس
مر عام كامل.
أصبحت شركة الزيني من أكبر الشركات في مجالها، وكان اسمي يظهر في كل مؤتمر اقتصادي، ليس لأنني ابنة فؤاد الزيني، بل لأنني نجحت في إدارة المشروعات التي كلفني بها.
في صباح هادئ، كنت أراجع بعض العقود، عندما دخلت سكرتيرتي وقالت:
“مدام ريناد… في حد بره مُصر يقابل حضرتك.”
رفعت رأسي.
“مين؟”
ترددت قليلًا ثم قالت:
“غسان الجنزوري.”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قلت بهدوء:
“يدخل.”
دخل غسان…
لكن لم يكن غسان الذي عرفته.
بدلته القديمة الفاخرة اختفت.
ملامحه شاحبة.
وشعره امتلأ بالشيب قبل أوانه.
وقف أمام مكتبي للحظات، ثم قال بصوت منخفض:
“عاملة إيه يا ريناد؟”
أغلقت الملف الذي أمامي.
“خير.”
خفض رأسه وقال:
“أنا جيت أعتذر.”
نظرت إليه دون أن أتكلم.
أكمل:
“خسرت كل حاجة… الشركة… فلوسي… وحتى الناس اللي كنت فاكرهم معايا.”
ثم رفع عينيه نحوي لأول مرة.
“كنت فاكر إن القوة فلوس ونفوذ… لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية كانت عندك إنتِ.”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
“اتأخرت يا غسان.”
هز رأسه بأسف.
“عارف.”
أخرج ظرفًا من جيبه ووضعه على المكتب.
“دي كل الأوراق اللي تثبت إنك ماكنتيش شريكة في أي حاجة كنت بعملها… يمكن تنفعك.”
دفعت الظرف نحوه مرة أخرى.
“المحكمة قالت كلمتها من زمان… وأنا قفلت الصفحة.”
وقف صامتًا.
ثم قال:
“سامحيني.”
رددت بهدوء:
“سامحتك… لكن مستحيل أرجعلك.”
خرج من المكتب ببطء.
ولم يلتفت خلفه مرة واحدة.
راقبته من خلف الزجاج حتى اختفى.
ثم عدت إلى عملي…
وكأن شيئًا لم يحدث.
الفصل السابع والأخير
بعد شهرين…
افتتحنا أكبر مشروع للشركة.
كانت القاعة ممتلئة برجال الأعمال والإعلام.
وقف أبي بجواري وقال أمام الجميع:
“من النهارده… ريناد هي الرئيس التنفيذي لمجموعة الزيني.”
تعالت التصفيقات.
شعرت بدموعي تقترب.
لكن هذه المرة…
لم تكن دموع انكسار.
كانت دموع انتصار.
بعد انتهاء الحفل…
خرجت إلى شرفة المبنى.
كانت الشمس تغرب.
تذكرت ليلة زفافي…
حين قال لي غسان:
“مكانك أوضة الخدم.”
ابتسمت لنفسي.
ونظرت إلى المدينة الممتدة أمامي.
وقلت بصوت خافت:
“الغريب… إن اللي حاول يحطني في أوضة الخدم… انتهى بيه الحال من غير بيت… ولا منصب… ولا حتى حد يقف جنبه.”
وفي تلك اللحظة…
جاء أبي ووقف بجانبي.
وقال مبتسمًا:
“فخور بيكي.”
أمسكت يده.
“كل اللي وصلتله ده… لأنك وثقت فيا.”
ربت على كتفي وقال:
“لا… لأنك استحقيتيه.”
ابتسمت وأنا أنظر إلى السماء.
وأدركت أن بعض النهايات المؤلمة…
ليست نهاية للحياة.
بل بداية لحياة أجمل بكثير.
الفصل الثامن
مرّت ستة أشهر أخرى…
وأصبحت حياتي هادئة لأول مرة منذ سنوات.
وفي صباح يوم الإثنين…
دخلت سكرتيرتي المكتب وهي متوترة.
قالت:
“مدام ريناد… في ست كبيرة برة، ومصرة تقابل حضرتك.”
سألتها:
“اسمها؟”
قالت بعد تردد:
“الحاجة نوال… والدة غسان.”
تجمدت للحظة.
ثم قلت:
“دخليها.”
دخلت ببطء.
لم تكن السيدة المتكبرة التي كانت تنظر إليّ من أعلى يوم الخطوبة.
كانت ملامحها مرهقة، وظهرها منحني.
وقفت أمامي وهي لا تعرف من أين تبدأ.
ثم قالت بصوت مكسور:
“أنا جاية أعتذر.”
لم أرد.
أكملت وهي تمسح دموعها:
“أنا اللي ربيت ابني على إنه ياخد كل حاجة بالقوة… وأنا اللي شجعته على الجوازة دي… وكنت فاكرة إن الفلوس أهم من الأخلاق.”
أخفضت رأسها.
“ربنا ورّاني نتيجة تربيتي.”
تنهدت بهدوء.
وقلت:
“الاعتذار الحقيقي… يكون لما الإنسان يتعلم من غلطه.”
هزت رأسها.
“اتعلمت… لكن بعد ما خسرت ابني.”
استغربت.
“خسرتيه؟”
قالت بحزن:
“غسان ساب البيت من شهور… ومن يومها معرفش عنه حاجة.”
شعرت للحظة بالشفقة.
لكن الماضي كان أقوى من أي إحساس.
قلت لها بهدوء:
“أتمنى تلاقوه بخير.”
غادرت وهي تردد:
“ربنا يعوضك خير يا بنتي.”
الفصل التاسع
في مساء اليوم نفسه…
كنت أراجع بعض الملفات في مكتبي.
رن هاتفي.
رقم مجهول.
رددت.
جاءني صوت ضعيف جدًا.
“ريناد…”
عرفته من أول كلمة.
غسان.
قلت ببرود:
“خير؟”
سكت ثواني.
ثم قال:
“أنا في المستشفى.”
لم أعلق.
أكمل:
“مكنتش بكلمك علشان ترجعي… ولا علشان تساعديني… كنت بس عايز أقولك إنك كنتِ أنضف إنسانة دخلت حياتي… وأنا ضيعتك بإيدي.”
أغمضت عيني للحظة.
ثم قلت:
“أتمنى تقوم بالسلامة.”
قال بصوت متعب:
“أنا عرفت قيمة الإنسان… بعد ما بقيت لوحدي.”
وقبل أن أرد…
أغلق الخط.
وضعت الهاتف على المكتب.
ونظرت من النافذة.
لم أشعر بالشماتة.
ولم أشعر بالفرح.
كل ما شعرت به…
أن العدالة أخذت مجراها.
وبينما كنت أستعد للمغادرة…
دخل أبي إلى المكتب وهو يحمل ظرفًا أبيض.
ابتسم وقال:
“مبروك يا ريناد.”
فتحت الظرف باستغراب.
وكانت المفاجأة…
دعوة رسمية لتسلُّم جائزة أفضل سيدة أعمال شابة في الوطن العربي.
ابتسم أبي بفخر.
وقال:
“فاكرة أول ليلة قالك فيها إن مكانك أوضة الخدم؟”
ضحكت لأول مرة وأنا أتذكر كلماته.
فقال بابتسامة:
“واضح إن مكانك الحقيقي… كان دايمًا في القمة.”
يتبع
الفصل العاشر والأخير
بعد أسبوع…
كنت واقفة على منصة كبيرة وسط تصفيق مئات الحاضرين.
الكاميرات في كل مكان.
ورجال الأعمال والإعلام ينتظرون إعلان اسم الفائز.
وقف مقدم الحفل وقال بابتسامة:
“جائزة أفضل سيدة أعمال شابة لهذا العام تذهب إلى… ريناد فؤاد الزيني.”
امتلأت القاعة بالتصفيق.
صعدت إلى المسرح بخطوات هادئة.
تسلمت الدرع.
ثم وقفت أمام الميكروفون.
ساد الصمت.
قلت بابتسامة:
“من سنة واحدة… كنت واقفة في ليلة فرحي، وكنت فاكرة إن حياتي انتهت.”
نظر الجميع باهتمام.
أكملت:
“في الليلة دي… حد حاول يقنعني إن قيمتي تتحدد بالمكان اللي هنام فيه.”
سكتُّ لحظة.
ثم قلت:
“لكن الحقيقة… إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في غرفة… ولا في لقب… ولا في شخص اختار يهينه.”
تعالت التصفيقات.
أضفت:
“كل بنت بتسمعني دلوقتي… لو حد حاول يكسرك… افتكري إنك تقدري تقفي من جديد… ويمكن تبقي أقوى من الأول.”
وقف الحضور يصفقون بحرارة.
وفي الصف الأول…
كان أبي واقفًا ودموع الفخر تلمع في عينيه.
بعد انتهاء الحفل…
خرجنا من القاعة.
استنشقت الهواء بهدوء.
وركبت السيارة.
وأثناء الطريق…
مررنا بجوار مقهى صغير.
وقفت عيناي للحظة.
كان غسان يجلس وحده.
يرتدي ملابس بسيطة.
ويعمل على حاسوب قديم.
رفع رأسه بالصدفة.
تقابلت أعيننا لثوانٍ.
ابتسم ابتسامة باهتة.
ورفع يده بتحية هادئة.
بادلته التحية بإيماءة خفيفة.
ثم تحركت السيارة.
سألني أبي:
“تحبي نرجع؟”
ابتسمت وأنا أنظر للطريق أمامي.
“لا يا بابا.”
“ليه؟”
قلت بهدوء:
“لأن الماضي مكانه ورا… وأنا عندي مستقبل مستنيني.”
ابتسم أبي.
وأكمل السائق طريقه.
وبينما كانت أضواء المدينة تلمع أمامي…
أدركت أن الله لم ينقذني من زواج فاشل فقط…
بل أنقذني من حياة كاملة كانت ستضيع.
أما غسان…
فسيظل يتذكر طوال عمره أن أكبر خسارة في حياته…
لم تكن شركته…
ولا أمواله…
ولا منصبه…
بل المرأة التي استهان بها في ليلة زفافها.
تمت بحمد الله.
تمت بحمد الله.