الكاتبه امانى سيد 2 هدى

ركبت عربيتي وأنا مش شايف طريقي من كتر الدموع اللي مالية عيني. كنت سايق بلا هدف، الشوارع واسعة حواليا بس الدنيا في عيني أضيق من خرم إبرة. كلامها كان بيلف في دماغي زي الأسطوانة المشروخة: *”معاك يا كريم مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر”*.
كنت غبي.. غبي لدرجة إني مكنتش فاهم إن الست اللي بتصغر وتتضاءل في بيتها مش بتكون ضعيفة، دي بتكون بتطفي روحها بإيديها عشان تديك مساحة تكبر أنت وتتفرعن. كنت فاكر إن كسر خاطرها هو اللي بيثبت رجولتي، ومكنتش عارف إن كل كسرة كانت بتبني فيها جدار جديد بيفصلها عني لحد ما بقيت ورا الجدار ده.. منسي ومطفي.
رجعت البيت.. أقصد شقة مروة. أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الأكل الجاهز قالية المكان، ومروة قاعدة على الكنبة ولابسة سماعات في ودنها وبتتكلم في تليفونها وبتضحك بصوت عالي مع صاحبتها. لمحتني داخل، مكلفتش نفسها حتى تقفل السكة أو تقولي حمد الله على السلامة. شاورت لي بإيدها بنوع من البرود، وكملت كلام: “آه يا بنتي، بقولك الساتان ده مش موضة خالص السنة دي، أنا هجيب الدانتيل الفرنساوي…”
وقفت في نص الصالة باصص لها. دي الست الشيك اللي أختي صفاء قالتلي إنها “هتشرفني”. دي المهندسة اللي من مستوايا. حسيت في اللحظة دي بإن الشقة دي كرتون، الديكورات المودرن الغالية دي باردة ومفيش فيها دفا، والست اللي قاعدة قدامي دي غريبة عني، مش شريكة حياة.. دي مجرد شريكة سكن بتجمعني بيها مصالح وفواتير.
افتكرت هدى زمان.. لما كنت برجع من الشغل تعبان، كانت تجري عليا قبل ما أحط رجلي في البيت، تاخد مني الشنط، وتسألني عن يومي وعينيها كلها خوف واهتمام. مكنتش بتستنى لما أسألها على الأكل، كانت بتبقى مجهزة كل حاجة ومستنية اللقمة اللي هنأكلها سوا.. اللقمة اللي كنت بدوقها ليها بذل وأقولها “ده من خيري”.
مروة قفلت التليفون وبصت لي وقالت بنبرة آمرة: “كريم، كويس إنك جيت.. مامي كلمتني وعايزانا نروح معاها بكرة نشتري غسالة أطباق جديدة لفيلا الساحل، وطبعاً أنت اللي هتدفع نص تمنها كهدية ليها بمناسبة الصيف.. وبليز مش عايزة مبررات من بتاعة ميزانية الشركة والضغط اللي عندك”.
بصيت لها وضحكت.. ضحكت بصوت عالي لدرجة إن مروة اتخضت وقامت وقفت: “أنت بتضحك على إيه؟ أنا بتكلم جد على فكرة!”
قلت لها بنبرة هادية وميتة: “بضحك على نفسي يا مروة.. بضحك على البشمهندس كريم اللي كان فاكر نفسه مهندس أد الدنيا، وهو في الحقيقة مجرد محفظة متحركة.. مبروك عليكي يا مروة، ومبروك على مامي غسالة الأطباق.. بس أنا مش دافع حاجة، ومش رايح في حتة”.
“يعني إيه؟” زعقت مروة وعينيها أتحولت لشرار: “أنت بتلوي دراعي؟ أنت نسيت أنا مين ولا إيه؟ أنا مهندسة ومن عيلة، ومش هسمحلك تعاملني كأنك متجوز واحدة من الشارع!”
الكلمة دي.. “واحدة من الشارع”.. كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. الكلمة دي فكرتني بصفاء، وفكرتني بنفسي وأنا بذل هدى. وقفت قصاد مروة وقلت لها بكل برود: “الست اللي من الشارع دي يا مهندسة.. كانت بروقة عنك، وكانت بتفهم في الأصول عنك وعن عيلتك. الشقة دي إيجارها هيتدفع لآخر الشهر، وهدومك تلميها وتروحي ل مامي.. أنا مش هكمل في التمثيلية دي”.
سيبتها تصرخ وتكسر في البيت، ونزلت. مكنتش فارقة معايا ومكنتش خايف من كلام الناس ولا من برستيجي اللي كنت بعبدُه زمان.
رحت قعدت في عربيتي على كورنيش النيل، وطلعت تليفوني. فتحت صفحة هدى على الفيسبوك اللي كنت دايماً براقبها في السكتة. لقيتها منزلة صورة جديدة ليها مع العيال في جنينة الشقة الجديدة بتاعتهم. العيال كانوا بيضحكوا من قلبهم، ضحكة عمري ما شفتها وهم معايا في شقة الكومباوند. وهدى كانت واقفة وسطهم، بعبايتها البسيطة الراقية، ملامحها مرتاحة، ومفيش في عينيها أي أثر للخوف.
كتبت بوست على صفحتي، وأنا عارف إنها مش هتشوفه لأنها عملتلي بلوك من زمان، بس كنت بكتبه لنفسي.. وللتاريخ.. ولأي راجل فاكر إن السيطرة بالذل والكسر بتصنع ورث:
> “كنت فاكر إني المنقذ، وكنت فاكر إن الشهادة والمنصب هما اللي بيعملوا القيمة. بس اكتشفت إن القيمة الحقيقية هي الروح اللي بتشيلك وأنت معندكش حاجة. خسرت الجوهرة اللي كانت بتدعيلي في سجدتها، وكسبت المظاهر اللي بتمص في دمي. النهاردة أنا واقف بطولي، مهندس أد الدنيا.. بس أصغر بكتير من إني أطول نظرة عتاب من الست اللي كانت في يوم.. ملكي”.
قفلت التليفون، وبصيت للنيل، وحسيت بنسمة هوا باردة خبطت في وشي. لأول مرة من سنة أحس إني بتنفس، بس كان نفس حراق.. نفس مليان بندم هيعيش معايا لآخر يوم في عمري. الخاتم اتقلع خلاص، والصباع اتقطع، والندم بقى هو الساكن الوحيد في قلبي.
عدت شهور تانية، والدوامة مكنتش بتهدا، بالعكس.. كانت بتوسع وتشدني ل القاع أكتر. طليت مروة رسمياً بعد خناقات ومحاكم على المؤخر والنفقة، وخرجت من الجوازة دي خسران نص تحويشتي، والأهم إني خرجت منها مكسور الكبرياء تماماً. الشقة الشيك الراقية اتقفلت، ورجعت عشت لوحدي في شقة الكومباوند.. الشقة اللي شهدت على كسرة هدى وظلمي ليها.
بقى يومي عبارة عن طقوس ميتة؛ أصحى الصبح أروح الشركة، أخلص شغلي، وأرجع لبيت فاضي وموحش. السكوت اللي في الجدران كان بياكل فيا. بقيت أدخل المطبخ عشان أعمل لنفسي كارتون جاهز أو كوباية قهوة، فأفتكرها وهي واقفة وسط الدخان بتمسح عرقها وتداري دموعها عشان تعملي الأكل اللي يرضيني بعد ما أهنتها. بقيت أبص للكنبة اللي كنت بقعد عليها وأنا برمي في وشها خبر جوازي ببرود، وأتحسر على غبائي.
أختي صفاء حاولت تكلمني كذا مرة، كانت بتبعت لي رسايل تقولي: “يا كريم فداك مروة وأيامها، بكره نلاقيلك ست ستها، واحدة تشيلك في عينيها وتعرف قيمتك”. مكنتش برد عليها، وفي الآخر عملت لها بلوك هي كمان. صفاء مكنتش شايفة إن “ست ستها” دي كانت تحت إيدينا وإحنا اللي ردمنا عليها بالتراب.
في يوم جمعة، وأنا قاعد في الصالة لوحدي، تليفوني رن.. كان رقم غريب.
رديت بصوت مطفي: “أيوة، مين معايا؟”
جالي صوت من الناحية التانية، صوت صغير وحنين، قلب كياني كله: “بابا.. أنا مازن”.
دموعي نزلت فوراً من غير ما أحس، صوته كان بقالي شهور مسمعتوش غير من بعيد في النادي تحت عيون أخو هدى.
قلت له بصوت بيترعش: “مازن! حبيبي.. عامل إيه يا روح بابا؟ أختك جودي عاملة إيه؟”
مازن قال ببراءة الأطفال: “إحنا كويسين يا بابا.. أنا بكلمك من تليفون مامي في السكتة وهي في المطبخ بتعملنا كيكة. بابا.. أنت مش بتيجي تقعد معانا ليه؟ إحنا شقتنا الجديدة حلوة أوي، ومامي جابتلي سري ب دورين أنا وجودي، بس أنا نفسي تيجي تشوف لُعبي الجديدة”.
قبل ما أرد عليه وأقوله إني مستعد أجيله زحف، سمعت صوت هدى في الخلفية.. صوتها الهادي اللي مبقاش فيه أي نبرة خوف. كانت بتقوله: “مازن.. بتكلم مين يا حبيبي؟”
الصوت قطع فجأة، والتليفون اتمسح.
قعدت مكاني وأنا بنهج، حاسس إن روحي ردت فيا لمجرد إني سمعت صوت ابني وصوتها وهي بتتحرك في بيتها الجديد بأمان. أخدت المفاتيح ونزلت فوراً، مكنتش قادر أقعد مكاني ثانية واحدة. ركبت العربية ورحت على العنوان اللي عرفته من قضايا المحاكم.. شقتها الجديدة.
وصلت قدام العمارة، مكنتش عمارتنا الراقية اللي في الكومباوند، كانت عمارة بسيطة في منطقة متوسطة، بس نظيفة وهادية. وقفت تحت في الشارع، باصص للبلكونة بتاعتها في الدور الثالث. كانت منورة، وفيها قفص عصافير وزرع أخضر صغير.. زرع بيفكرني بالزرع اللي كانت بتحاول تزرعه في بلكونتنا وزمان كنت بزعق وأقولها “بتوسخي البلاط بالطين”. هنا، الزرع كان باين عليه الرعاية والاهتمام، زيها بالظبط.
لمحت خيالها وهي بتدخل البلكونة وتلم غسيل الولاد. وقفت أراقبها من بعيد، بعيد أوي.. كنت حاسس إني زي الحرامي اللي بيراقب جنة اتطرد منها ومبقاش ليه حق يدخلها. هدى كانت بتتحرك بخفة، مفيش على كتافها الهم والتقل اللي كنت بحملهولها كل يوم.
نزلت راسي على الدريكسيون وعيطت بالدموع اللي حبستها سنين. عرفت وقتها إن الإنسانية والأصول مش بالشهادات الكبيرة ولا بالمظاهر الكدابة. هدى بدبلومها البسيط كانت أطهر وأكبر من عقلي الصغير وعقل أختي. هي عرفت تبني نفسها وتكبر لما نفضتني من حياتها، وأنا اللي صغرت وضعت لما خسرتها.
دورت العربية ورجعت وأنا كلي يقين.. إن العقاب الحقيقي مش إن الست اللي تظلمها تدعي عليك؛ العقاب الحقيقي إنها تسيبك وتمشي، وتنجح، وتعيش حياتها وتكون سعيدة جداً.. وأنت براها. تسيبك تفتكر كل كلمة قاسية قلتها وكل نظرة كسرة كسرتها بيها، وتعيش بقية عمرك مقتنع بالكلمة اللي هي ختمت بيها حكايتنا:
“أنا اللي بقيت كتير عليك يا كريم”.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *