ظهور امه بعد وفاتها ج٢ ل صافي هاني
— «بوس إيدك يا شريف سيبه.. سيبه ومشينا من هنا.. ده مبرحمش.. ده معندوش قلب!»
بصيت للراجل وأنا لسه مشدود، والفضول والخوف بياكلوا في قلبي.. سألته بأسنان كازة على بعضها:
— «أبويا مات.. والفلوس اللي كانت بتجيلك كل شهر اقطعت.. عايز إيه تاني؟»
قرب الراجل من ودني، وهمس بكلمات خلّت ركبي تخونني، والدنيا تسود تماماً في عيني:
— «عايز حق سكوتي الجديد يا شريف.. الفلوس اللي كان بيبعتها أبوك مكانتش عشان يداري على غلطة أمك زي ما هي مفهمتك ومفهمة أبوك.. أبوك كان بيبعت الفلوس دي عشان يداري على غلطته هو.. الغلطة اللي بدأت يوم ما أنت اتولدت!»
#حكايات_صافي_هاني
الراجل بعد عن ودني وهو لسه مبتسم نفس الابتسامة اللي بتقبض القلب، ورجع خطوتين لورا وسند على عصايته وبصلي من فوق لتحت بنظرة كلها تحدي.
الدنيا لفت بيا.. الساحة والناس والأنوار اللي حوالين المسجد كلها اتداخلت في بعضها. بصيت لأمي اللي كانت غرقانة في دموعها على الرصيف، وبقت بتبص للراجل بذهول وخوف، وكأنها هي كمان أول مرة تسمع الكلام ده. أمي زعقت بصوت مبحوح وهي بتترعش:
— «أنت بتقول إيه يا علوان؟ غلطة مصطفى إيه؟ مصطفى عاش طول عمره راجل شريف وميعرفش الحرام.. أنت هتبتلي عليه وهو في دار الحق؟»
علوان ضحك بسخرية وقال وهو بيبص لأمي:
— «يا حبة عيني يا أم شريف.. طول عمرك نية وماشية ورا قلبك. مصطفى فهمك إنه شال شيلتك ودارى على سرك، وفهمك إن البعد هو الحل عشان ابنك يكبر نضيف.. بس الحقيقة إن مصطفى كان بيلعب بيكِ وبيّ وبالمكتوب كله عشان يداري على المصيبة الكبيرة اللي عملها هو.. المصيبة اللي لو الولد ده عرفها، هيهد كل اللي بناه في ثانية واحدة».
أنا مكنتش قادر أستحمل أكتر من كده، الغموض كان بيموتني، والشك بدأ ينهش في صورة أبويا.. الراجل اللي كنت بشوفه أعظم راجل في الدنيا، السند والبطل اللي ضحى بشبابه عشاني. مسكت علوان من دراعه بكل قوتي وزعقت فيه وسط ذهول الناس اللي بدأت تلتفت لينا:
— «خلصنا وأنطق! أبويا عمل إيه؟ إيه الغلطة اللي بدأت يوم ما أنا اتولدت؟ قسماً بالله لو ما نطقت وحكيت كل حاجة حالا لأكون هادد الدنيا فوق دماغك!»
علوان نفض إيدي من عليه ببرود، وعدل طاقيته، وقرب مني خطوة واحدة، وبص في عيني الخضرا قوي وقال بنبرة هادية ومرعبة:
— «أبوك مصطفى زمان مكانش بيخلف يا شريف.. واليوم اللي أمك ولدت فيه في المستشفى الحكومي القديم، ابنه الحقيقي مات بعد الولادة بساعة واحدة.. أبوك مكانش قادر يستحمل الصدمة ولا النظرة في عيون الناس، وفي نفس الليلة دي، كانت فيه ست غلبانة تانية بتولد في السرير اللي جمبهم.. ست ماتت وهي بتولد، وأبوك بفلوسه ونفوذه بدل النمرة، وخد الواد الصغير وكتبه باسمه وسجلّه في الصحة.. الواد ده اللي هو أنت يا شريف! أنت مش ابن مصطفى.. ولا حتى ابن الست الغلبانة اللي قاعدة تشحت تحت رجليك دي!»